جامعة السودان تقيم محاضرة تحسين البيئة الداخلية للعمارة

أقامت جامعة السودان للعلوم والتكنلوجيا – قسم الهندسة المعماري محاضرة بعنوان “تحسين البيئة الداخلية للعمارة”، وإليكم التفاصيل:

أقامت كلية الدراسات العليا بالجامعة محاضرة بعنوان التقييم الداخلي وأثره على تحسين البيئة الداخلية للعمارة الداخلية قدمها الأستاذ الزائر بروفيسور حسن عبد المنعم محمود متولي استاذ العمارة الداخلية ورئيس قسم الديكور بكلية الفنون الجميلة جامعة حلوان بمصر. وذلك بحضور الدكتور حمودي سعيد عميد كلية الدراسات العليا والبحث العلمي بالجامعة, والذي أشار إلى أن الكلية استعانت بالبروفيسور حسن عبد المنعم كممتحن خارجي لطالب دراسات عليا من كلية الفنون الجميلة والتطبيقية وقال أن هذا به مزيد من التلاقح وتلاقي الخبرات في هذه المحافل العامة. واستهل بروفيسور حسن عبد المنعم المحاضرة بأن مفهوم العمارة الداخلية يعني الحيز الداخلي لتأدية وظائف بأقل جهد ويشمل عناصر الأرضيات ـ والحوائط ـ والأسقف, وذكر أن التصميم هو الابتكار والتخطيط بناءاًعلى معطيات معمارية معينة وإخراجهم لحيز الوجود, وكذلك هو فن معاجة المساحة وكافة أبعادها بطريقة تستغل عناصر التصميم جميعها على نحو مجال يساعد على العمل داخل المبنى وأضاف أن تطوير العمارة الداخلية مازال مربوطا بعملية تطوير الفكر الإنساني في نواحي الحياة المختلفة وقد مر بمراحل عديدة ضمن حقب التاريخ وقال أن هنالك عوامل تطوير تصميم العمارة الداخلية وهي عوامل فكرية وثقافية وتكنولوجية(علمية وصناعية) وعوامل اجتماعية تمثل طريقة فهم الانسان للحياة في الفكر الانساني عوامل اقتصادية وتاثيرها المباشر على التطوير التكنولوجي . اما مجالات التصميم في اطارات السكني التجاري الاستشفائي الصناعي والمستويات الافقية والسفلية والراسية الأثاث ومكونات غير بشرية عنصر النشاط الداخلي. وفي الختام أشار ان هناك مفاهيم تعمل على ربط عناصر التصميم بما يتفق مع الهدف والوحدة.
المصدر: 1

أثر فن العمارة الإسلامية على فنون العمارة الغربية

غازي عيسى انعيم- المغرب

العمارة، كما قيل منذ القدم، هي أم الفنون لأنها تجمع بين فن البناء إلى جانب النحت والرسم والخط والزخرفة، وكما أخذت كل الفنون من بعضها، فقد أخذ فن العمارة الإسلامي أول الأمر عن الحضارة الهيلنيستية التي كانت سائدة قبل الإسلام في بلدان أوروبا الغربية وأيضا في شرق البحر الأبيض المتوسط وكل الأماكن التي وقعت تحت نفوذ الإمبراطورية الرومانية، ثم ما لبثت أن تطورت العمارة الإسلامية وأخذت طابعها الخاص الذي يعكس جوهرالفكر الإسلامي·
بعد ذلك أتيح للحضارة الإسلامية، أن تؤدي ما عليها من دين للحضارات التي سبقتها، فأثرت الأساليب المعمارية العربية الإسلامية في العصور الوسطى، إذ أعجب الحكام والفنانون الغربيون بالحضارة الإسلامية، فتأثروا بالعمارة والزخرفة، وليس مثل هذا التبادل الفني غريباً في شيء، فقد اتصل الشرق الإسلامي بأوروبا في العصور الوسطى، عن طريق الحضارة الإسلامية التي قامت في الأندلس وجزيرة صقلية، والتي كان لإشعاعاتها الفضل الكبير على أوروبا في مختلف المجالات الفنية وغيرها، وعن طريق التجارة، وبفضل مشاهدات الحجاج المسيحيين للأراضي المقدسة، وما كانوا يحملونه معهم إلى أوروبا من التحف الإسلامية، ثم عن طريق الحروب الصليبية التي قامت بين الشرق والغرب، فضلا عن اتصال الأوروبين بالدولة العثمانية بعد ذلك·
وقد تجلى تأثير الفنون الإسلامية في فنون الغرب، وتعدد في مظاهره، ففي العمارة المدنية، اقتبس الغربيون بعض الأساليب المعمارية من العراق، فمثلاً أرسل الأمبراطور >تيوفيلوس< سفيراً في القرن التاسع إلى بغداد لدراسة فن العمارة الإسلامي، وبنىي في العام 835 م، قصراً بالقرب من بوابات القسطنطينية على طراز قصور بغداد، وخططت الحدائق على نمط الحدائق الإسلامية·
ونرى أثر العمارة الإسلامية واضحاً في كنيسة مدينة سرقسطة التي بنيت في عصر >المدجنين Mudijar< في القرن (16م) – طائفة من المسلمين عملت تحت حكم المسيحيين بعد سقوط الأندلس
– وتلك الكنيسة مبنية من الطوب، وفتحاتها كلها معقودة، أما برج الكنيسة، فيشبه تخطيط المآذن في المساجد الأندلسية التي في شمال أفريقيا، وخصوصا مئذنة مسجد القيروان، هذا بالإضافة إلى استعمال الطوب في عمل الزخرفة التي على برج الكنيسة، كما استعملت المقرنصات·
وظلت الأساليب الإسلامية في إسبانيا باقية في بعض المناطق حتى اليوم، خصوصا في جنوب تلك البلاد، التي استمد منها المعماري الحديث >غاودي<، عناصر فنية مختلفة، استخدمها في مبانيه الأولى، ولاسيما في تزيين الحجرات الداخلية بالاضافة إلى الأشكال الخارجية·
أما العمارة الإيطالية، فيمكن مشاهدة التأثير الإسلامي في الأقواس التي تصل جوانب قبة >مونت سانت انجلو<، وفي قصر >روفولو< في رافيللو الذي بني في القرن الحادي عشر، ومازال يدل بتفاصيله المعمارية على أصوله الإسلامية·
وتعزى شهرة مدينة >بيزا< بمقاطعة توسكانيا إلى وجود أكثر المتنوعات المعمارية جمالاً في العالم فيها، ومنها برج >قبة سيوليتو< التي تشبه إلى حد كبير مئذنة سنجر الجاولي في القاهرة، كما أن قبة وقاعدة كاتدرائية >براتو دي ميراكولي<، تؤكدان تأثير الفن الإسلامي·
وفي >كازالي مونفيراتي< شمال إيطاليا، نجد أن الكاتدرائية في تلك المدينة مبنية بأروقة تحتوى على أقواس مقتبسة أيضا من قواعد وأصول فن المعمار الإسلامي، ويتضح ذلك بمقارنتها بالقبة المقامة فوق الباب الرئيس لجامع قرطبة الكبير، وكان هذا الجزء من الجامع قد بني في عهد الخليفة الحكم الثاني في النصف الثاني من القرن العاشر·
كما تبدو في جنوب إيطاليا التأثيرات العربية فضلاً عن أن أبراج النواقيس في إيطاليا في عصر النهضة كانت مقتبسة من أسلوب المآذن المغربية·
كما أعجب الإيطاليون بظاهرة معمارية جميلة شاعت في القاهرة على عهد المماليك، وهي تبادل طبقت أفقية من أحجار قاتمة اللون مع أخرى زاهية استخدموها في الواجهات المخططة في المباني الرخامية التي شيدت في بيزا وفلورنسا وجنوا ومسينا وفي غيرها من البلاد الإيطالية، ومثل هذه الأبنية المتعددة الألوان موجودة في إقليم الأوفرن، وفي كنيسة القديس بطرس بنورثمبتن·
وترك العنصر الإسلامي أثره في العمارة الدنيوية في صقلية،وبشكل خاص في عدد من القصور الصغيرة ذات الغرف الصغيرة العالية المرتبة حول باحة مركزية كانت إسلامية في إلهامها وأهم هذه القصور، قصر يدعى >العزيزة< في >باليومو<·
كما يمكن مشاهدة أثر العمارة العربية الشامية في الحصون التي شيدت للدفاع عن صقلية، فالتصميم والأقواس المدببة وفتحات السهام كلها عربية إسلامية، إلى جانب الحيطان ذات الشكل المربع، ومن صقلية انتشر هذا الطراز العربي للحصون والقلاع، الذي اقتبسه الملك >فريدريك الثاني< أثناء حملته على بيت المقدس إلى جميع البلدان الأوروبية·
أما في فرنسا فإن أكثر الآثار الدالة على التأثير بالفن الإسلامي وبشكل خاص الجامع الكبير في قرطبة هو مدخل كنيسة القديس >ميشيل دي ايجوي< في مقاطعة لوبوي، والزخرفة المتعددة الألوان على الجدران الخارجية ومدخلها تدل على أنها اقتبست عن الجامع الكبير بقرطبة، كما نلاحظ تأثير الفن الإسلامي على العقود الملونة في كنيسة >لامادلين< في >فيزيليه< التي أعيد بناؤها بعد أن أتت عليها النار في العام 1120م، وهي تعد واحدة من أجمل المباني التي بنيت على هذا الطراز في فرنسا·
ويرى الطابع الإسلامي واضحاً في جنوب فرنسا في بلدة >بوي<، وذلك في عقودها المتعددة الفصوص وفي الزخارف التي اشتقت عن الكتابة الكوفية والزخارف المؤلفة من الجدائل وسعف النخيل·
كما اقتبس الفرنسيون بعض الأساليب المعمارية من قلاع مصر وسورية، وجعلوا المدخل الموصل من باب القلعة إلى داخلها، على شكل زاوية قائمة، أو جعله ملتوياً، كي لا يتمكن العدو الذي بباب القلعة، من رؤية الفناء الداخلي لها، أو أن يصوب سهامه إلى من فيه، ومثال ذلك القصور التي شيدت في فرنسا في القرن >14< فهي قريبة الشبه بالباب الرئيس في قصر >الحير الغربي< في دمشق، وباب قصر >الأخيضر< في العراق، فالباب يكتنفه برجان، تعلوهما المزاغل والفتحات لرمي السهام، أو القار، أو الزيت المغلي، الذي يصب على العدو المهاجم، كذلك ترى فتحات المراقبة تعلو الباب والأبراج الصغيرة، وكذا تشاهد الكرانيش·
ويقول المتخصص بفن العمارة >باتيسيه< عن تأثير العرب في العمارة الأوروبية: >لا يجوز الشك في أن المعماريين الفرنسيين اقتبسوا من الفن الشرقي كثيرا من العناصر المعمارية المهمة والزخارف في القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلادي، ألم نجد في كاتدرائية >بوين< التي هي من أقدس العمائر المسيحية باباً مستوراً بالكتابة العربية؟ أولم تقم في أريبونة وغيرها حصون وفق الأسلوب العربي<·
وفي بريطانيا، يدل أحد المداخل في مدينة >كنيلورث< الذي يرجع تاريخه إلى العام 1150م، على أن المهندس المعماري الذي صممه قد زار أسبانيا، فرسم قوساً داخل شكل مستطيل، ويكاد يكون ثابتا أن أصل العقود الإنكليزية التيودورية إسلامي، كما قام الإنكليز بتقليد المشربيات الخشبية العربية في القضبان والسياجات المعدنية، كما استخدموا الزخارف الإسلامية بشكل بارز في عمائرهم·
كما يظهر التأثير الإسلامي في بعض العمائر البولندية، حيث تستخدم المقرنصات وزخارف الأرابيسك ورسوم وريقات الشجر ذات الفصوص الثلاثة، وذلك في الكنيسة الأرمنية في مدينة >لوبوف<، التي ترجع إلى النصف الثاني من القرن (14) م·
هذا بالإضافة إلى استخدام العقود المدببة التي ظهرت منذ القرن (9)م، في مسجد >ابن طولون< في مدينة القطائع في مصر، واستخدام القوط للزخارف الحجرية التي تملأ النوافذ ويركب بينها الزجاج·
أما العمارة الروسية فقد استعارت كثيراً من الفنون الإسلامية، ويظهر ذلك جليا في كنائسها الكثيرة ذات القباب البيضاوية الشكل·
وفي بلغاريا شيدت العمائر التي تتجلى فيها التأثيرات الإسلامية في تصميماتها وعقودها النصف دائرية، والواجهات ذات السقيفة، مثال ذلك يظهر في دير القديس >يوحنا< في مدينة ديلا، وترجع إلى القرن >19< م، وكذلك نرى استخدام القباب، كم هي الحال في الطراز العثماني، وكذا استخدام الحجر الملون، الأبيض والأسود المعروف باسم الأبلق·
وهكذا يتأكد بالدليل الثابت من العمائر أن الأقواس (العقود) أصلها عربي، لأن العرب استخدموها في مسجد أحمد بن طولون بمصر قبل أن تعرفها أوروبا بخمسة قرون، ويقول العالم المتخصص في فن العمارة >بريس<: >أن المسيحيين أخذوا عن العرب الأبراج الرائعة التي استخدمها الغرب حتى أواخر القرن السادس عشر الميلادي·· ومن تتح له زيارة اشبيلية يرى أن القصور والمساكن لا تزال تبنى على الطراز العربي<·
ويكفي أن يجيء الاعتراف بتأثير فن العمارة العربي على فنون العمارة الغربية من المستشرقين أنفسهم، فها هو >جوستاف لوبون< في كتاب >حضارة العرب< يشيد بهذا التأثير، حتى ذهب إلى أن الأوروبيين في العصور الوسطى كانوا يستقدمون فنانين ومهندسين من العرب، كما فعل شارلمان على سبيل المثال، وكما حدث في بناء الكثير من الأبراج والقصور·
هذه نماذج خالدة تشهد بتراثنا الحضاري في العمارة وتدلل على نبوغ مهندسينا المعماريين ورجال الفن الذين ترعرعوا في ظل دولة الإسلام في المشرق والمغرب، وقد ساهمت تلك الدولة بأوفر نصيب في تطوير أساليب العمارة والفنون العالمية بما ابتكرت من طرز جميلة ورائعة يعتز بها مؤرخو الفنون والعمارة في العالم غرباً وشرقاً·

المصدر:  غازي عيسى انعيم، أثر فن العمارة الإسلامية على فنون العمارة الغربية، مجلة الوعي الإسلامي، العدد 532 بتاريخ 2010-09-03.

خالد السلطاني: في ذكرى عبد الله احسان كامل

 ثمة إنجازات معمارية حقيقية يمكن للمرء أن يتلمسها في مسيرة العمارة العراقية الحديثة . وهذه الإنجازات التي تركت بصماتها وآثارها بوضوح على تطور الفكر المعماري المحلي ، كان ظهورها وتحقيقها الفعلي رهيناً دائماً بوجود إما ” مؤسسات تصميمية ” متكاملة ، أو من خلال نشاط معماري ” شخصي متفرد “.

وعمارة عبد الله إحسان كامل (1919 -1985) ، الذي نستعيد هذه الأيام ذكرى مرور عشرين سنة علي رحيله ، تقع ضمن المفهوم الثاني ، فقد مثل بطروحاته التصميمية وصدقه وإخلاصه المهنيين حالة مؤثرة من العمل المعماري الجاد والدؤوب والمقتدر . بحيث أمسى عطاؤه المعماري بمثابة الحدث المهم في مجمل النشاط التصميمي لثلاثة عقود في الأقل من ميدان الممارسة الاستشارية بالعراق !

ولقد بات واضحاً الآن ، ( وأزعم بأن هذا الوضوح سيتكرس بصورة أدق مستقبلاً ) مدى أهمية الخطوة الجريئة والطليعية التي خطاها عبد الله إحسان كامل ، في مهمة إرساء المفاهيم الجديدة وتثبيتها في الممارسات المعمارية المحلية ، بل وربما عد دوره التجديدي وتأثيره في النشاط المعماري العراقي بمنزلة أولئك الرجال المجددين الذين تقترن أسماؤهم عادة بمراحل مهمة وخطيرة ومتميزة في ثقافة بلادهم وشعوبهم !! .

يمكن للمرء أن يلحظ في بواكير أعمال عبد الله إحسان كامل ذلك التوق الشديد والرغبة العارمة ( العارمة حقاً بكل مدلولات هذه الكلمة ) للسير بالعمارة المحلية نحو آفاق جديدة وغير مطروقة وقد ظل هذا الهاجس النبيل يلف ويكتنف جميع أعمال ” عبد الله ” منذ رجوعه إلى العراق سنة 1943 (بعد أن أكمل تحصيله ونيله شهادة بكالوريوس عمارة من ليفربول بالمملكة المتحدة ) وحتى اعتكافه الطوعي عن الممارسة الفعلية في منتصف السبعينيـات .

عندما تتهيأ الظروف المناسبة وتتجمع تراكمات” نقض ” المألوف المعماري ، فان “عملية التغيير” في العمارة حاصلة لا محالة ، بيد أن اشتراطات حدوث تلك العمليـة ميدانياً تتطلب وجود مصمم بارع بمقدروه أن يدرك أهمية هذه الظروف وان يعي مسؤوليـة مثل تلك التراكمات ، ويفهم استحقاقاتهـا بمعنى آخر تتطلب عملية التغيير من يصغي لنبضها ليكون بشيرها وداعية لها .

وهذا بالذات ما اضطلع به عبد الله إحسان كامل في مجال العمارة العراقية ، وأنجزه على أتم وجه فقد أحس مبكراً بان (صدمة) الحداثة التي ضربت العمارة في العشرينيات واستمر زخمها طيلة العقد الثلاثيني قد وصلت إلى منتهاها في بدايـة الأربعينيات فضلاً عن قناعته بأن مفهوم تلك ” الحداثة ” كان أصلاً أمراً متكلفاً ومتصنعاً، بل وربما زائفاً ، ذلك لأن حلول مجمل تكويناتها كانت مستقاة كما هو معلوم من الزمن الماضي وتحديداً من عمارة القرن التاسع عشر .

لقد رأى ” عبد الله إحسان كامل ” نفسه فجأة أمام كمّ من المعالجات التصميمية المكررة والمنسوخة ، كم من الممارسات التي تنطوي حلولها على قدر كبير من السذاجة المهنية التي لا ترتقي في أحسن أحوالها إلى مثيلاتها ذات الحل الوظيفي / النفعي : العاري والمباشر .

ومنذ البدء انحاز عبد الله احسان ،تماماً لنهج معماري جديد بعد ان ترسخت لديه قناعة تامة بضرورة إيجاد مسار آخر للعمارة العراقية ، مسار يمكن أن يفضي إلى مفاهيمية مغايرة كفيلة بتكريس معالم أفق جديد لها ( أي للعمارة ) ، وبسرعة فائقة طرح تصوراته عن نهجه الجديد المتسم : بنبذه الواضح لاستخدامات ” العناصر التراثية “، وعدوله عن الطرز التاريخية ، وتوقه الشديد نحو” بساطة الأشكال المعمارية وهندستها ” ، والنزوع إلى استعمال “المواد الإنشائية الجديدة ” المصنعة وبمعنى آخر فان سمات العمارة التي ينشدها ينبغي أن تكون وفقاً لرؤياه مكافئة لأساليب العمارة العالمية الطليعية من حيث اللغة والتكوين ولهذا فان مهمته لم تكن سهلة ، مثلما لم تكن مفهومة .

وتبدو محاولته في تثبيت مفهوم (مأوى) مناسب لظروف معوقات الحرب العالمية الثانية التي قام بها لإسكان موظفي وعمال السكك الحديد بالشالجية ببغداد في منتصف الأربعينيات بمثابة اختبار حقيقي لمصداقية الطرح التصميمي الذي يؤمن به . وقد جاءت حلوله على قدر كبير من الواقعية التي تعي طبيعة الظروف المعاشة : تلك الحلول المنطوية على ايلاء الجانب الوظيفي اهتماماً زائداً مع التركيز على اقتصادية متقشفة لاستعمالات المواد الإنشائية والاستثمار الخلاق لمزايا هذه المواد ولأساليب إنشائها .

وبالطبع ، فلم يكن متوقعاً أن تحظى نوعية القرارات التصميمية وحلولها على إدراك وفهم كافيين لا من قبل زملائه المعماريين ولا ، خاصة ، من قبل زبائنه الذين كانوا في حيرة حقيقية إزاء جدوى وكيفية استخدام فضاءات الأشكال التي ينتجهـا . وعندما صمم بيتاً سكنياً في المسبح ببغداد في بداية الخمسينيات ، ذا شرفة واسعة في الطابق الاول هي بمـــثابة نـواة التكوين الاساسية للدار ( والذي أعده واحداً من اجمل البيوت البغدادية الخمسينية وأكثرها أناقة ) كانت ربة البيت تجاهر علناً برأيها عن مسكنها بألا يمتلكون بيتاً .. انهم يمتلكون طارمة !! ) كناية عن سخرية تهكمية حول جدوى وجود مثل هذه الشرفة الواسعة في بيت سكني !! .
وأياً كان نوع الجدل والتقييم الذي أثارته عمارة ” عبد الله احسان كامل ” فإنها من دون شك قد أأسهمت في تأسيس مرحلة جديدة في العمارة العراقية ، مرحلة لها مفاهيمها وقيمها وإنجازاتها ، وبالإمكان أن ندعوها ” بتجديد ظاهرة التحديث “، تلك الظاهرة التي ضربت بجذورها عمارة العراق في عقد العشرينيات واستمرت حتى نهاية الثلاثينيات .

إن عملية تسريع وإيصال ممارسات العمارة العراقية لمستوى ، التعامل الندي ” مع أساليب العمارة العالمية ما كانت تتم بتلك السهولة واليسر اللذين رأى معماريو الجيل الثاني أنفسهم فيها لولا إنجازات ” عبد الله احسان ” المميزة : المعمارية منها والتخطيطية فمجرد ذكر قائمة تصاميمه لوحدها كفيل بإعطاء صورة صادقة عن مستوى الإنجاز الرفيع الذي حققـه للعمارة العراقية ، فبـدءاً من ” محطـة قطار ” يعقوبـة ومصرف الرافديـن بالبصرة و”مصرف الرهون ” ببغداد ومبنى ” خان الباشا ” الصغيـر ( الذي يمكن أن نعد عمارته بمثابة أحد كنوز عمارة الشرق الأوسط في الخمسينيات ) وتخطيط مدينة ازادي بأربيل وكذلك “تخطيط مدينة الرشاد ” وإضافاته التصميميـة لعمارة ” الدفتر دار ” ببغداد وغير ذلك من الممارسات الجادة والرصينة يجعلنا نرى بوضوح وندرك مأثرة عبد الله احسان كامل المعمارية على حقيقتها .

لقد منح الرجل جيلاً كاملاً من المصممين العراقيين إمكانية الإقتداء والمعايشة الميدانية مع تصاميم اتسمت لغتها بحداثة حقيقية ، الأمر الذي أدى بعطائه لأن يلعب دوراً ريادياً وتأسيسياً ، وأن تكون تصاميمه مؤشراً واضحاً لظاهرة تجديد عمارة التحديث بالعراق.

مرة ، تكلم ” تورغينيف ” عن أهمية ” غوغول ” في المنجز الأدبي الروسي قائلاً عنه ” كلنا خرجنا من معطف غوغول ! .

نعم ، كلنا خرجنا من ” عباءة ” عبد الله احسان كامل المعمارية : “زملاء ” مهنـة ، و”مريديون وتلاميذ ” … وعلى الرغم من لوعة الفراق الأبدي التي يحسها أهله وذووه وأصدقاؤه بوفاتـه عـام 1985 ، فانه لا يزال معنا مرشداً ، وأستاذاً ، ومرجعاً لإنجازاتنا المعمارية .

د .خالد السلطاني
مدرسة العمارة / الاكاديمية الملكية الدانمركية للفنون

المصدر: 1

العمارة الإسلامية تاريخ من الجمال والإبداع لرضوان طحلاوي

رضوان طحلاوي:

الدين الإسلامي الذي انطلق من كلمة موجزة {اقْرَأْ} [العلق:1]، في حيز كهف حراء، كان إعلاناً بالمضمون العلمي والدنيوي للإسلام إضافةً إلى المضمون الديني. واستطاع الإسلام، بما ملك من فكر إنساني، أن ينتشر على رقعة واسعة تمتد من الصين شرقاً حتى تخوم العاصمة الفرنسية غرباً. وأنتجت الحضارة الإسلامية شخصية فنية متكاملة في العمارة والفنون وتخطيط المدن، لها خصائصها التي تميزها من غيرها من الحضارات في كل بقعة من البقاع التي انتشر فيها الإسلام. واتّصف الفن المعماري والعمراني الإسلامي باستيعابه المدارس التي سبقته كافة، وكانت سائدة في آسيا الغربية، فحاورها طالب علم وفن، وتعلم منها ونهل من تراثها، ثم صار المعلم القدير، فصاغ ما أخذه بأسلوبه الخاص، واستطاع في مئة عام أن يبلور هذه الشخصية الفنية وهذه الهوية الخاصة التي تميّزت بها الحضارة الإسلامية.

المدارس الفنية السابقة للعمارة الإسلامية
تجاوز الإسلام حدود الجزيرة العربية منتشراً في المناطق التي كانت خاضعة لسيادة  الإمبراطوريتين البيزنطية والفارسية، وكانت مسرحاً لأغنى الحضارات وأكثرها رقيّاً، ومن ثم ورث عن هاتين الإمبراطوريتين تقاليدهما المعمارية والعمرانية، التي كانت أصلاً ممتزجة بالتقاليد  traditions الفنية المحلية لمناطق نفوذهما، وكانت تسودها المدارس المعمارية والفنية الآتية:

1ـ المدرسة البيزنطية أو المسيحية الشرقية: كانت منتشرة في آسيا الصغرى (تركيا) وسوريا وفلسطين وشرقي الأردن، وقد وقعت هذه المنطقة تحت التأثير الكلاسيكي نحو 1000 عام منذ عهد لإسكندر حتى الفتح الإسلامي، وتأثرت بالموجات الهلنستية.

2ـ المدرسة الفارسية: كانت سائدة في العراق وفارس، وتأثرت هذه المدرسة بالفنون المعمارية والزخرفية المقتبسة عن المدرسة الرافدية mesopotamian التي كانت سائدة في الألفين الثالث والثاني قبل الميلاد.

3ـ المدرسة القبطية: كانت منتشرة في مصر، وهي وريثة المدرسة المصرية القديمة العريقة، التي تجاوزت تأثيراتها الحدود المصرية.

تنوع التعبير المعماري في المدرسة الإسلامية
استفاد العرب المسلمون من التقانات والأنماط التقليدية التي كانت سائدة في البلاد التي فتحوها في إشادة المباني والمنشآت، وذلك في الفترة الأولى من المدرسة الإسلامية، ثم ما لبثت أن تبلورت مدرسة فنية متكاملة تحمل هوية متجانسة على البلاد الإسلامية قاطبة، وصار من الصعب معرفة الأصول المقتبسة منها فتميزت من غيرها من المدارس الفنية.

ومردّ ذلك إلى عوامل مختلفة منها: العامل الديني، وهو أهم العوامل، أضفى الصبغة الإسلامية التي هي خلاصة للفكر والعقيدة الإسلامية على الأبنية الدينية والمدنية، كإشادة المساجد والجوامع وفق نظام وتخطيط معينيين يلبّيان الحاجة الوظيفية وتأدية الصلاة. والعامل الآخر هو العامل الجغرافي، وتشابه المناخ النسبي في أقاليم الإسلام حيث غلب عليها المناخ الصحراوي والمتوسطي فتشابه النسيج العمراني في تخطيط المدن، وعُرِف ما يسمى بالنسيج المتراص أو العفوي. وفي المجال المعماري اتصفت العمارة بالتصميم البيئي، وذلك بالتأكيد على انغلاق المباني من الخارج وانفتاحها على الداخل حول باحة مكشوفة حيث الهواء الطلق والماء والسماء والنباتات.

مميزات العمارة الإسلامية
تميزت العمارة الإسلامية بغنى مفرداتها المعمارية، واهتمامها بالنواحي الحياتية جميعها، فظهرت المباني الدينية من مساجد ومدارس وتكايا وزوايا وخانقاهات (دور الصوفية)، وأبنية مدنية كالدور والقصور، وأبنية عامة كالبيمارستانات (المشافي) والخانات (محطات استراحة المسافرين)، والحمامات والأسواق. كما ظهر الاهتمام بالحدائق والسبُل المائية على صعيد تخطيط المدن إضافة إلى العمارة العسكرية، وبُنيت القلاع والتحصينات والأربطة (قلاع دفاعية تقام على امتداد الشريط الساحلي).

لم يقتصر غنى العمارة الإسلامية على تنوع ماهيات الأبنية وموضوعاتها؛ بل تميزت بغنى مفرداتها وعناصرها المعمارية، فمن هذه العناصر القباب domes/cupolas والقبوات والعقود vaults بمختلف أشكالها (أنصاف الدائرية penannulars، والمدببة pointed arches، والحدوية horseshoe arches، والمفصصة multifoil …)، والأقواس arches والمآذن minarets والمحاريب niches والأروقة porticos، والعناصر الانتقالية للقباب من مثلثات كروية pendentives ومقرنصات stalactites، والفراغات الداخلية المكشوفة، والعناصر المائية fountains فيها، والسُبل المائية الموزعة في أحياء المدن، والفسقيات (البحرات الداخلية)، والأواوين iwans (غرف جلوس ثلاثية الجدران تطل على الفناء)، وعناصر الزخرفة ornaments المختلفة. وبرز شأن الكتابة inscription العربية عنصراً زخرفيّاً في مختلف الأبنية ورمزاً من رموز الديانة الإسلامية، وهي لغة القرآن الكريم.

البعد الفكري في العمارة الإسلامية
اعتمد الفن الإسلامي على الرمزية symbolism والتجريد وسيلة في التعبير المعماري. فالرقش (الأرابيسك) ornamentation /arabesque مثلاً هو حالة تعبيرية تفسيرية معينة للكون والوجود، حيث استطاع فن الرقش أن يصوّر الإنسان بشكله ومضمونه بما يمثله هذا المخلوق الصغير من عالم كبير ليس له نهاية، وبفلسفة صوفية تلاقت مع مبدأ تحريم التصوير والتشبيه في الإسلام. ولئن عرفت الحضارات المصرية القديمة والكلاسيكية (اليونانية والرومانية) استخدام الزخارف الهندسة والنباتية، فالمدرسة الإسلامية جعلت من هذه الزخارف مدرسة فنية لها أسلوبها وفلسفتها دُعيت بفن الرقش (الأرابيسك).

والمقرنص في العمارة الإسلامية هو عنصر اعتمد على فن الرقش بأبعاده الفلسفية عدا كونه عنصراً معمارياً للربط البصري بين الانتقال الشاقولي والخط المنحني.

وتجلت الرمزية أيضاً في العمارة الإسلامية بتأكيدها أشكال المربع والدائرة والعلاقة الجدلية بينهما، وهو ما يُلاحظ في مساقط الأوابد المعمارية المشهورة في التاريخ الإسلامي، فالمربع يمثل العناصر الأربعة المكونة للطبيعة في الفلسفة الصوفية وهي (النار والهواء والماء والتراب). وأتت المئذنة لتعبر عن الارتقاء نحو السماء عن طريق الآذان والدعوة إلى أداء فروض الصلاة. ولم تبتعد هذه الرمزية عن تنظيم المدن الإسلامية وتجلت في مخطط مدينة بغداد الدائري حيث المدينة حول المسجد الكبير. وقد يشعر الناظر إلى الصورة الجوية لمدينة غرداية Ghardaia / Taghardait الجزائرية، أنه أمام مشهد توحيدي تتجلى فيه المركزية التي تُشاهد في المدن الإسلامية وتُذَكِّر بمشهد الحجاج إلى بيت الله الحرام.
shapemosque.jpg
الجامع الأموي في دمشق
الجامع الأموي في دمشق

ملامح الفن المعماري والعمراني في أهم العصور الإسلامية

أولًا: في العصر الأموي (41 ـ 132هـ، 661 ـ 749م):
شهد العصر الأموي أوابد معمارية دينية ودنيوية عدة، أهمها: الجامع الأموي في دمشق وقبة الصخرة والمسجد الأقصى في القدس. وعدّ المسجد الكبير في دمشق أهم منشآت التاريخ الأموي، وفي رأي سوفاجيه Sauvaget “أول نجاح معماري في الإسلام”؛ إذ استطاع الربط بين التقليد المعماري المسيحي بمفرداته المعمارية والصيغة المعمارية الجديدة التي أتت لتنسجم مع وظيفة البناء وروح الدين الجديد، ولقد أثر هذا المبنى في بناء المساجد الإسلامية في مختلف العصور ومختلف مناطق انتشار الإسلام فيظهر ذلك جليَّاً في مسجد القيروان وجامع الزيتونة في تونس الذي يشبه إلى حدٍّ كبير جامع القيروان.

كذلك أشاد الأمويون القصور في بادية الشام لممارسة الصيد، ففيها بقايا نحو 30 قصراً، أهمها قصر الحير الشرقي، وقصر الحير الغربي، وقصير عمرة، وقصر المشتى، وقصر خربة المفجر.

تميز قُصير عمرة في الأردن باحتوائه على الرسومات الجدارية fresco paintings التي تمثل صوراً بشرية وحيوانية يعتمد عليها بعض الباحثين دليلاً على عدم صحة نظرية تحريم الصورة في الإسلام.

التأثيرات المعمارية الأموية في الأندلس
دخل المسلمون الأندلس عام 93هـ/711م وأصبحت ولاية أموية عاصمتها قرطبة Cordoba، واتّخذ عبد الرحمن الناصر لقب خليفة. بدأ عبد الرحمن الداخل بتشييد المسجد الكبير في قرطبة الذي استكمل في عهود لاحقة وأضيفت إليه العقود الحدوية والعقد المفصص الذي يُعد إحدى ابتكارات عصره، واستخدمت الشراريف في تزيينه وهي عنصر تزييني في أعلى البناء، ظهر في العمارة الشرقية ثم مالبث أن انتشر في إسبانيا. اشتهرت عمارة هذا المسجد بأقواسه ذات النمط المعماري المعتمد على الثنائية المؤلفة من صف أقواس حدوية يعلوها صف آخر من الأقواس الحاملة للسقف. ويتداخل فيها الحامل والمحمول في ثنائية جدلية متكررة بمنظور perspective بلا نهاية. وقد استخدموا الحجر والرخام والآجر. كما أن هذه الثنائية ظهرت في تناوب اللونين الأحمر والأبيض في الأقواس التي دامت لاحقاً سمة من سمات العمارة الإسبانية.

انتقل استخدام هذه الأقواس والتناوب اللوني فيها إلى العمارة المسيحية، وظهر ذلك في الكنائس، ولاسيما في العمارة الرومية والقوطية Gothic التي تأثرت بالأقواس الأندلسية، انتقلت عبر الحجاج المسيحيين من إسبانيا إلى فرنسا ومنها إلى أماكن أخرى، وتعدُّ أبراج الأجراس في الكنائس الرومية والقوطية تقليداً للمأذنة الرباعية الشكل؛ التي انتقلت من المسجد الأموي بدمشق. وهناك الأقواس والقبوات المتصالبة groined vaults وأركان القباب والتيجان النباتية إضافة إلى الزخرفة العربية في أعمدة مواساك وفي باب كنيسة بوي، وفي واجهات العديد من الأبنية في غربي فرنسا.

ثانيًا: في العصر العباسي (132ـ 358 هـ/749ـ 968م)
تبلورت المدرسة الإسلامية في مجال تخطيط المدن، وشُيّد في هذا العصر العباسي مدن عدة مثل بغداد وسامراء والرقة. وبنيت المساجد كمسجد سامراء، ومسجد أبي دلف الذي يبعد نحو 15كم شمالي سامراء، ومسجد ابن طولون في القاهرة. كما بنيت القصور ومن أهمها قصر الأخيضر جنوبي بغداد والجوسق الخاقاني في سامراء، وقصر بلكوارا قرب سامراء، ويتميز هذا القصر بتعدد الفناءات فيه، واحتوائه على أكثر من قاعة عرش، وباتساع حديقته واحتوائها على مرسى للزوارق على نهر دجلة.

تميزت المباني العباسية بتنوع أساليب الزخرفة فيها، فاستخدمت الفسيفساء mosaic والخشب المحفور، والتقطيعات الرخامية والطينية المطلية بالميناء وبلاطات القيشاني faience وتنوعت أشكال الأقواس من نصف أسطوانية ومدببة ومفصصة وحدوية، كما أصبح الإيوان عنصراً معمارياً مهماً في المباني العامة.

وامتد تأثير فن سامراء إلى صقلية حيث تبدو تأثيراته في الرسوم الجدارية التي تزين سقف كنيسة القصر chapel في باليرمو، التي حكمها المسلمون (212 – 453هـ/827 – 1061م) ومن بعدهم النورمانديون، الذين تبنوا كثيراً من التقاليد الإسلامية. ويظهر ذلك جليَّاً من الكتابات العربية التي تزين سقف كنيسة القصر إضافة إلى التاريخ الهجري المدونة به.

ثالثًا: في العصر العبيدي الفاطمي (359 ـ 468هـ/969ـ 1075م)

كانت مصر مقراً للخلافة العبيدية الفاطمية مدة قرنين (973ـ 1171م)، ويُعد الجامع الأزهر بالقاهرة أحد أهم المباني الدينية الفاطمية حيث تمتزج فيه تأثيرات العمارة الإغريقية التونسية مع المدرسة المحلية. وكذلك مسجد الحاكم بأمره، الذي يحمل اسمه. أما جامع الأقمر فتشكل الأشكال الصدفية للحنايا والتضليعات الموجودة في واجهته أول مثال للمقرنصات الزخرفية في مصر، ثم أصبحت تزين المآذن لاحقاً.

على صعيد العمارة المدنية لم يبق من القصور الفاطمية سوى أوصافها التي تدل على فخامتها. وفي الجزائر بنى عمال الفاطميين القلاع، مثل قلعة بني حماد، وقصر دار البحر؛ الذي يتميز ببركته الواسعة التي شبهت بالبحر، وقصر المنار وهو أشبه بقلعة تتجلى فيها التأثيرات الرافدية في عمارة تلك القصور. وأهم العناصر المعمارية المميزة لهذا العصر المحاريب والأقواس المسدودة والمشاكي والمقرنصات والخزف والتطعيم بالغضار المطلي بالميناء، ويعد العصر الفاطمي عصر ترسيخ فن الرقش الإسلامي.

رابعًا: في العصر السلجوقي
سادت الأسرة السلجوقية بغداد عام 447هـ/1055م، ودام حكمها حتى 569هـ/1174م، ومن أهم المباني الدينية السلجوقية المسجد الكبير في أصفهان ذو المخطط المصلب المستوحى من العمارة المدنية، ويتميز بالأواوين الأربعة المطلة على الصحن، وقد أصبحت فيما بعد الطابع المميز للمساجد الإيرانية.

أدخل السلاجقة الضريح mausoleum إلى جانب الجامع، وهو قبر tomb على شكل برج أو قبة إما ملساء أو محززة. وقبة ضريح السيدة زبيدة في العراق، وهي هرمية الشكل ثمانية الأضلاع، ومشابهة تماماً لقبة بيمارستان نور الدين الزنكي في دمشق. اهتم السلاجقة ببناء المدارس معاهد لتعليم الفقه والدين، كما اهتموا بالعمارة العسكرية؛ إذ تعود أصول قلعة دمشق للفترة السلجوقية.

أهم مميزات العمارة السلجوقية: مداخلها ذات الارتفاعات المنخفضة والمؤلفة من قوس مدبب متجاوز، واحتواؤها على أواوين تطل على الفناء من الجهات الأربع، إلا في حال وجود الحرم فتضم ثلاثة أواوين، ويتوسط الفناء عنصر مائي، وتغطي الفراغات قباب محمولة على حنايا ركنية أو مقرنصات، وتتنوع أشكال التغطية من قبوات ذات أشكال نصف أسطوانية وقبوات متصالبة وقباب، وتزين الأبنية الكتابات، وقد أدخلوا الخط النسخي أو الثلث للمرة الأولى، كما تطور فن النقش بأنواعه المختلفة، وفي إيران استخدموا الآجرّ بوضعيات غائرة ونافرة وبمداميك تتخللها درجات لونية مغايرة من أجل الزخرفة.

خامسًا: في العصر الأيوبي (569 ـ 658هـ/1174ـ 1260م)
أنهى صلاح الدين الأيوبي –رحمه الله- خلافة الفاطميين وحارب الصليبيين، واهتم بالحياة والعمارة العسكرية، ويعدُّ فن العمارة الأيوبية امتداداً للعمارة السلجوقية سواء في مصر أم في سورية. تم توسيع المدن وتجديد الأسوار وتشييد القلاع (كقلعة دمشق) والمباني العامة الدينية والمدنية كالمساجد والمدارس (كالمدرسة العادلية الكبرى بدمشق) والخانقاهات والأضرحة. واستخدموا الحجارة الكبيرة ذات البطن المنتفخ، وتطور نظام استخدام القباب من حيث الارتفاع ونقاط الارتكاز، وطغى على مبانيهم سمة التقشف والبساطة التي تجلّت في المساقط المعتمدة  على الباحة المربعة التي تتوسطها بركة ماء. واقتصرت الزخارف في المباني على أماكن محدودة في الأشرطة الزخرفية فوق مداخل الأبواب وإطارات النوافذ، وظهرت عناصر زخرفية جديدة تعلو مداخل الأبنية وهي الرنوك (الرموز، شعارات)، وقد أصبحت هذه المداخل أكثر ارتفاعاً يعلوها عقد مقرنص أو ذو قبتين صغيرتين.

سادسًا: في العصر المملوكي (658ـ 992هـ/1260ـ 1516م)
حكم المماليك مصر والشام والجزيرة واليمن والحجاز وليبيا، وظهر تبادل التأثيرات العمرانية والمعمارية في مناطق حكمهم، الذي كان في فترته الأولى عصر ازدهار وعمران، ظهر في بناء القصور والمدارس والأسواق والحمامات وغيرها. وتميزت العمارة المملوكية بتنوع الزخارف، ولاسيما الرنوك التي شاع استخدامها، ولم يعُد الفناء عنصراً أساسياً في جميع المباني المملوكية إذ وجدت أبنية مملوكية من دون فناءات أو ذات فناءات مغطاة، كما في جامع التيروزي والمدرسة الجقمقية بدمشق. وكذلك للأروقة والأواوين، فلم تعد من العناصر التي تميز هذا العصر، وإن استخدمت أحياناً في بعض المنشآت.

اعتمدت العمارة المملوكية على الحجارة المنحوتة جيداً، وعلى تناوب اللونين الأبيض والأسود في حجارة المداميك contrasting stones، وأحياناً اللون الأصفر أو الأحمر، وقد يبدو التناوب اللوني مستخدماً على الواجهة كلها، أو في بعض أجزائها. وظهرت أشكال جديدة من الأقواس، وتطور استعمال القباب ذات الرقاب barrels، خاصة في العنصر الانتقالي للقبة، الذي كان عبارة عن حنية ركنية أو مقرنصات أو مثلثات كروية. كما ظهر أول مرة الشكل الأسطواني للمآذن.

سابعًا: في العصر العثماني
قضى العثمانيون على الإمبراطورية البيزنطية عام 857هـ/1453م. وقد تأثرت المباني العثمانية بطراز كنيسة آجيا صوفيا “الحكمة الإلهية”، التي بناها الإمبراطور جوستنيان Justinian في القرن السادس الميلادي.

تأثرت العمارة الإسلامية بالأساليب المعمارية المستخدمة في القسطنطينية، وبالفن المعماري السلجوقي. وبعد فتح العثمانيين بلادَ الشام عام 922هـ/1516م امتزجت التقاليد المعمارية للعصر المملوكي مع التأثيرات العثمانية. وعلى صعيد العمارة الدينية أصبح الحرم مربع الشكل تغطيه قبة أحادية الرقبة تتخللها نوافذ الإنارة، ومن ثمّ لم يعد الحرم مقسماً إلى أروقة وأجنحة. ويسبق المصلى رواق مغطى بالقباب يطل على الفناء. أما المآذن فتميزت بالحسن والارتفاع  وتأثرت بطراز القسطنطينية كما في مسجد السليمانية والسنانية بدمشق. وظهر بناء التكايا مثل التكية السليمانية.

على صعيد العمارة المدنية شيد العثمانيون القصور والأحياء السكنية. وكانت دار السكن طابقين، السفلي للاستقبال “سلاملك”، والعلوي للنساء “حرملك”، وبرزت الطوابق العلوية على الشارع وأخذ الأتراك عن السوريين القاعة ذات الجدران المزخرفة التي تتوسطها فسقية.

على صعيد القصور أو السرايات فكانت في اسطنبول مبنية وفق التقسيم الثلاثي أو ثلاثية الأجنحة وتتميز بروعة زخارفها. وفي بلاد الشام اتّخذ القصر أو الدار الكبيرة التقسيم الثلاثي نفسه، فهنالك جناح الأسرة وجناح الضيوف وجناح الخدم (حرملك، سلاملك، خدملك)، وكل جناح له إيوان يطل على فناء مكشوف يتوسطه عنصر مائي وأحواض النباتات إضافة إلى حمام صغير مقسم إلى جواني وبراني ووسطاني. وللقصر أقبية وهناك طابقان، سفلي وعلوي، أما القاعات الكبيرة فكانت ذات أسقف مرتفعة يعادل ارتفاعها الطابقين.

وظهرت عناصر معمارية جديدة كالقوس العثماني وهو قوس مقعر نحو الخارج في جزئه العلوي، والجزء السفلي منه محدب، واستخدم القوس نصف الدائري المجزوء في فتحات النوافذ والأبواب، أي إن فتحته جزء من دائرة، وبقي استخدام المقرنصات شائعاً في التيجان وعقود البوابات وعنصراً انتقالياً في القباب. وقد استخدمت بلاطات القاشاني ذات الموضوعات الزخرفية النباتية عنصراً رئيسيّاً في إكساء الجدران الداخلية وبعض أجزاء الواجهات فوق الأبواب والنوافذ، وقد غلب عليها اللونان الأزرق والأخضر، كما استخدمت الفسيفساء الرخامية “المشقف” والنوافذ الجصية المعشقة بالزجاج.

وشاع استخدام الأبلق (زخارف ذات أشكال هندسية أو نباتية محفورة على الحجر ومملوءة بملاط جصّي ملون motley) في تزيين الواجهات، كما شاع استخدام الخشب المدهون والمزخرف بالرسوم النباتية والهندسية الملونة، كما في قصر العظم -متحف التقاليد والصناعات الشعبية، أو صور لمدن شهيرة أو مناظر طبيعية في إكساء الجدران والأسقف. وهو تأثير فن الباروك baroque والروكوكو rococo المنتشر في الغرب وهو ما شهدته قصور بلاد الشام ومساكنها (كمكتب عنبر، وبيت المجاهد فخري البارودي) في المرحلة المتأخرة من العصر العثماني.

ولمع مهندسون معماريون أسهموا في تطوير العمارة الإسلامية، وسجلوا أسماءهم في تاريخها، أمثال معمار سـنان التي انتشرت أعماله في معظم العواصم الإسلامية.

مما تقدم يبدو أن المدرسة الإسلامية هي مدرسة فنية متكاملة ضمّت أنواع الفنون جميعها، من معمارية وعمرانية وفنون تطبيقية وغيرها، وأسهمت ولا تزال في بناء الحضارة الإنسانية.

المصادر: 1، 2

للاستزادة انظر:
– عفيف بهنسي، خطاب الأصالة في الفن والعمارة (دار الشرق، دمشق، 2004).
– جورج مارسيه، الفن الإسلامي، ترجمة د. عفيف بهنسي (منشورات وزارة الثقافة، دمشق 1968م).
– رضوان طحلاوي، “الفكر الصوفي والبيت العربي من خلال رسائل إخوان الصفا” مجلة باسل الأسد للعلوم الهندسية، العدد العاشر (منشورات وزارة التعليم العالي، دار البعث، دمشق 1989).
– نجدة خماش، دراسات في الآثار الإسلامية (منشورات جامعة دمشق، مطبعة رياض، دمشق 1982).
– KATHARINA OTTO-DORN, (Traduit Par Jean – Pierre Simon), L’Art de L’Islam (Donderosa Leidshendam, Hollande,1972).
– BANISTER FLETCHER’S, A History of Architecture (New York, 1975).
– JOHN D. HOAG, Islamic Architecture (Abrams, New York).

المهندسة ياسمين زكي تكتب عن العمارة الإسلامية

العمارة الإسلامية تشغل حيزا واسعا في الزمان و المكان فهي تمتد من القرن السابع الميلادي و حتى يومنا هذا (زمنيا) ، و تمتد من الشرق الأقصى في آسيا حتى الأندلس غربا (مكانيا) ، ومن أجل دراسة تاريخ العمارة الإسلامية فقد اصطُلحَ على تقسيمات جغرافية وتاريخية ( زمنية و مكانية ).
و تضم العمارة الإسلامية العديد من المدارس المختلفة على امتداد العالم ولعل من أهم هذه المدارس ( المدرسة الغربية الأندلسية )،( المدرسة البصرية الشامية )،( المدرسة الإيرانية )،( المدرسة التركية ) و ( المدرسة الهندية ) ثم الشرق الأقصى، ولكل من هذه المدارس سماتها الخاصة النابعة من ظروف البيئة و المجتمع و لكنها تدخل في إطار عام يشملها جميعا .
من ناحية التقسيم الزماني هناك تواريخ هامة :
– مولد الرسول عليه الصلاة و السلام : سنة ( 570 م ) المعروف بعام الفيل .
– الهجرة إلى المدينة المنورة : سنة (622م) وفيما بعد سيتخذ عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذا التاريخ كبداية للتقويم الهجري .
– الفترة منذ وفاة الرسول عليه الصلاة و السلام و حتى تأسيس الدولة الأموية كانت معروفة باسم عصر الخلفاء الراشدين و ينتهي هذا العصر بتأسيس الدولة الأموية سنة ( 661 م ) و ينتهي حكم الأمويين سنة ( 750 م ). يلي ذلك حكم العباسيين في الدولة العباسية من ( 750 – 1258 م ) و هو تاريخ دخول المغول إلى بغداد.
و من هنا سنبدأ معا بالحديث عن العصور الأولى لتطور العمارة الإسلامية المبكرة في الدولة الأموية ثم الدولة العباسية، بعد ذلك سننتقل للحديث عن عمارة مصر الإسلامية، حيث دخلها جيوش العرب سنة ( 640 -641 ) م .
معلومة : للتحويل من التاريخ الميلادي إلى التاريخ الهجري :
م = ( هـ + 622 ) – ( هـ/ 33 )

كما نعلم أن الإسلام قد ظهر في شبه جزيرة العرب ، في بيئة صحراوية يغلب عليها طابع البداوة ، الأمر الذي دعا بعض رجال الدين إلى القول أن الجزيرة العربية في هذا الوقت كانت تعاني من فراغ معماري يذكر في ذلك الحين ، و ذلك رغم وجود آثار هامة لحضارات قديمة في شمال و جنوب شبه الجزيرة العربية .
لكن في واقع الأمر لم يبدأ التطور الحقيقي للحضارة الإسلامية إلا بعد أن قامت شعوب أخرى ذات حضارات قديمة مثل المصريين و الفرس و غيرهم باعتناق الدين الإسلامي ليصبح دينا لهم ولا شك أن العمارة الإسلامية قد ورثت الكثير من خبرات الحضارات القديمة السابقة لها ، مثلها في ذلك مثل غيرها من مراحل التطور السابقة لتبدأ مرحلة جديدة لها أساليبها الخاصة و أنواع مبانيها الجديدة و المميزة ، وكذلك لها أساليبها الإنشائية التي تميزها ، بالإضافة إلى العناصر الزخرافية و الجمالية .
ويمكن القول أن النشاط المعماري في الدول الإسلامية بدأ مع هجرة الرسول الكريم “عليه الصلاة و السلام” إلى المدينة المنورة لتأسيس دولة لها، و ذلك حين بنى عليه السلام مسجده و منزله، و رغم بساطة البناء إلا أن تصميم المسجد الأول في المدينة كان على أرجح الأقوال هو الأساس الذي أثر على ما هو معروف باسم ( التصميم التقليدي للمسجد ) .
بالنسبة لتصميم مسجد الرسول صلى الله عليه و سلم ، فهو بناء متسع طول ضلعه 100 ذراع ، و في الجانب الشرقي 9 غرف أو 9 بيوت لزوجات الرسول عليه السلام ، و في الجزء الشمالي حينما كانت القبلة نحو بيت المقدس كان هناك صَدفة يقف تحتها المصلون للحماية من الشمس، و مع تحويل القبلة أصبحت الصَدفة في الجهة الجنوبية في اتجاه مكة المكرمة ، و بذلك يتكون التصميم التقليدي للمسجد من ( الفناء المكشوف و الأروقة ) ، و ذلك من أقوال المؤرخين.

elomawy
التاريخ الحقيقي لتطور العمارة الإسلامية من عصر الدولة الأموية و قد اتخذ الأمويون دمشق عاصمة لهم، ومنطقة الشام ذات تراث معماري عريق ، وبالتالي يبدأ ظهور نشاط معماري مميز في منطقة الشام ، وأقدم الآثار الإسلامية التي نعرفها هي المبنى المعروف باسم ” قبة الصخرة ” في بيت المقدس و المبنية في عصر الخليفة الأموي ” عبد الملك بن مروان ” حوالي سنة ( 684 – 690 م ) أي في سنة ( 72 هـ ) وبها أقدم التسجيلات التاريخية عن العمائر الإسلامية .
” قبة الصخرة ” عبارة عن فناء مثمن منتظم و له أربعة مداخل في الاتجاهات الأصلية الأربعة و يتوسط الفناء قبة قطرها حوالي ( 20 متر ) تعلو الصخرة، والقبة الخشبية مزدوجة و بها ( 16 نافذة ) محمولة على عقود مدببة ، و ترتكز على ( 4 أكتاف ) بين كل كتفين ثلاثة أعمدة تشكل الدائرة التي ترتكز عليها القبة و تحيط بالصخرة و التي تبلغ أبعادها حوالي ( 13 × 18 م ) و متوسط ارتفاعها عن سطح الأرض حوالي ( 1.5 م ) ، و بين الحائط الخارجي و الدائرة الخارجية يوجد مثمن يتكون من ثمان أكتاف بين كل كتفين عموديين ، فيتكون بذلك ممران يحيطان بالدائرة الداخلية و الممران مغطيان بسقف خشبي مائل إلى الخارج ، كما يزدان مبنى قبة الصخرة من الداخل بزخارف الفسيفساء ، وهنا نرى أن التأثير البيزنطي واضح في التكوين العام للمبنى و أيضا في التفاصيل الزخرفة بالفسيفساء ، لكن التكوين يغلب عليه الطابع الإسلامي ، ونجد أن القبة الخشبية مغطاة بصفائح من النحاس اللامع .
في حوالي سنة ( 707 م ) بنى الخليفة الأموي ” الوليد بن عبد الملك ” الجامع الأموي الكبير في دمشق ، المبنى في مسقطه الأفقي مستطيل يتوسطه فناء داخلي مكشوف يحيط به أربعة أروقة أعمقها رواق القبلة .
رواق القبلة في المسجد الأموي مقسم إلى ثلاثة أجزاء على محور القبلة يوجد مجاز قاطع و مدخل رواق القبلة من الصحن مكون من ثلاثة عقود ( مدخل ثلاثي ) و قد كانت الأسطح الداخلية للمسجد مكسوة بألواح من الرخام وكذلك بالفسيفساء الملونة ، و من أشهر الأجزاء التي بقيت من زخارف الفسيفساء الموجودة في المسجد الأموي ، الزخارف المعروفة باسم ( مصورة نهر بردي ) .
المسجد الأموي له ثلاث مآذن ، مأذنتان في ركني حائط القبلة ( المأذنة الغربية و مأذنة عيسى ) ، و في منتصف الحائط الشمالي مأذنة العروس – هذه المأذنة مجددة و ليست من عصر الدولة الأموية .
سنجد أن عمارة المسجد الأموي في دمشق سيكون لها تأثير كبير في عمارة المساجد على امتداد الحضارة الإسلامية .
من الآثار الهامة التي ترجع أيضا إلى عصر الدولة الأموية مبنى صغير موجود على بعد حوالي ( 50 ميل ) شرق مدينة عمان ( الأردن ) – بادية الشام – ، المبنى الصغير معروف باسم ( قصير عمر ) وكان من المرجح أنه يستخدم كاستراحة عند الخروج للصيد في الصحراء ، المبنى عبارة عن صالة أبعادها (7.5 × 8.5 م ) مقسومة إلى ثلاثة أقسام بواسطة عقدين مدببين و السقف عبارة عن ثلاثة أقبية ترتكز على الحوائط وعلى العقود ، المدخل في الجهة الشمالية ، و في الجهة الجانبية من الصالة توجد غرفة على جانبيها غرفتان .. و في الجزء الشرقي للصالة يوجد مدخل يؤدي إلى حمام مكون من ثلاثة أجزاء ، غرفة باردة مغطاة بقبو مستمر و غرفة دافئة مغطاة بقبو متقاطع و الغرفة الساخنة مغطاة بقبة محمولة على مثلثات كروية .
حوائط ( قصير عمر ) من الداخل تزدان بزخارف الفرسكو ( و هو الرسم على البياض قبل أن يجف ) ، و الرسوم الموجودة في قصير عمر لها أهمية خاصة في تاريخ الفن الإسلامي ، فهي ترجع إلى القرن الأول الهجري و تزدان بصور الأشخاص و الحيوانات و الطيور و قبة الغرفة الساخنة مزينة برسم لدائرة الفلك.
يوجد في بادية الشام مبنى يشابه تماما بمبنى قصير عمر ، و هو المبنى المعروف باسم ( حمام الصرح ) و هو أيضا يتكون من 3 غرف مغطاة بأقبية مستمرة .
لكن الاختلاف أن : في قصير عمر الحوائط الجانبية على هيئة نصف دائرة بينما في حمام الصرح الزوايا قائمة .

السمات العامة للعمارة الإسلامية المبكرة في عصر الدولة الأموية :
– نلحظ أن معظم آثار هذه الفترة تتركز في منطقة الشام ، بحكم أن العاصمة في دمشق و بالتالي الاهتمام بمنطقة الشام .
– كذلك سيادة استخدام الحجر المنحوت كمادة بناء أساسية و ذلك لوفرة الحجارة الجيدة الصالحة لأعمال البناء في منطقة الشام و الخبرات المتوارثة في البناء بالحجر .
– استخدام العقود المحمولة على أعمدة رخامية ، و استخدام الأسقف الخشبية المائلة .
– استخدام الأقبية و القباب في الأسقف و التي كانت تبنى من الحجر أو الطوب ، و تحمل القباب على مناطق انتقالية عبارة عن مثلثات كروية ، واستخدام أشكال مختلفة من العقود ( عقود نصف دائرية – عقود مدببة – عقود مستقيمة ) .
– استخدام الشدادات لحمل العقود ( Beams ) .
– و من الملامح الهامة أيضا ، وضوح التقسيم الهندسي في المسقط الأفقي .

الزخارف المستخدمة من مواد مختلفة ابتداء من رسوم الفرسكو وزخارف الفسيفساء و كسوة الحوائط ببلاطات الرخام ، و الزخارف مزيج من تأثيرات البيزنطية و الفارسية و المصرية .. لكن التأثير القوى و السائد هو البيزنطي .
كما تميزت هذه الفترة ببناء بعض القصور الصغيرة في الصحاري ، و كانت مآذن الجوامع و المساجد عبارة عن أبراج مربعة طويلة .

إلى هنا نتوقف لنستكمل معاً في العدد القادم من مجلة سطر المعرفة بقية التاريخ المعماري الإسلامي عبر العصور المتعاقبة بإذن الله .

المصدر: 1

تصميم واجهة مضيئة لمبنى فندقي Guto Requena – البرازيل

عمل المكتب الهندسي أي استوديو جوتو ريكينا Guto Requena البرازيلي على تركيب واجهة مضيئة لمبنى فندقي في البرازيل في مدينة ساوباولو، بهدف احداث تغيرات ايجابية في المدن والاماكن العامة ، وكيف يمكن للتكنولوجيا ان تحدث تغييرا ايجابيا في المدن . تعمل الواجهة على الاستجابة للاصوات ونوعية الهواء المحيطة بها من خلال اجهزة استشعارية متصلة بالكسوة الخارجية للمبنى من الستيل بالاضافة الى ميكروفونات مثبتة حول المبنى لالتقاط الضوضاء حيث تحدث تتغيرا في الوانها حسب ارتفاع درجة الصوت. ويمكن للمارة ان يكونو على اتصال مع الواجهة واحداث التغيرات فيها من خلال تطبيق ذكي على الاجهزة الذكية تسمح لهم بالتواصل المباشر مع الواجهة. تضيء الواجهة ليلا بالوان مختلفة باستخدام تقنية Led.

 

hotel-wz-jardins-sao-paulo-led-building-facade hotel-wz-jardins-sao-paulo-led-building-facade-8 hotel-wz-jardins-sao-paulo-led-building-facade-7 hotel-wz-jardins-sao-paulo-led-building-facade-6 hotel-wz-jardins-sao-paulo-led-building-facade-5

المصدر: 1

رفعت الجادرجي يستلم جائزة تميّز للانجاز المعماري مدى الحياة 2015

اعلن عميد كلية الهندسة في جامعة كوفنتري البريطانية البروفيسور مايكل فيتزبترك اختيار لجنة تحكيم جائزة تميّز المعماري رفعة الجادرجي لنيل جائزة تميّز للانجاز المعماري مدى الحياة 2015، وسلم الجائزة احمد الملاّك مؤسس الجائزة للمعماري في منزله في لندن.

اطلقت هذه الجائزة عام 2014 كأحدى جوائز برنامج جائزة تميّز الذي يهدف الى الاحتفاء بأفضل انتاجات العمارة العراقية.  تهدف هذه الجائزة التي تعد الاولى من نوعها الى تكريم رواد العمارة العراقية الذين اثروا بتصاميمهم و افكارهم الرائدة  منجز العمارة العراقية.  كل عام ستختار لجنه تحكيم الجائزة شخصية معمارية اسهمت بتطوير العمارة العراقية لنيل جائزة تميّز للانجاز المعماري مدى الحياة. و ستكون المساهمة الفعالة في تحقيق  منجز العمارة العراقية هي المعيار الوحيد لاختيار هذه الشخصية.

رفعة الجادرجي (1926) معروف عالمياً كأحد اهم المعماريين و المفكرين المؤثرين في الشرق الاوسط، و استطاع من خلال تصاميمه و كتاباته تحقيق اكثر المحاولات الجدية في المزاوجة بين عمارة الحداثة و العمارة المحلية.  و هو مؤلف و منّظر اسهم  من خلال مؤلفاته و كتبه في اثراء اللغة و الفكر المعماري العربي، و تستخدم مؤلفاته كمراجع تأريخية للعمارة و الحياة الاجتماعية في العراق.

17-1024x576
رفعت الجادرجي

ادار رفعة الجادرجي  مكتب الاستشاري العراقي الذي اسسه مع زملاءه عبد الله احسان كامل و احسان شيرزاد عام 1952 و الذي رفد الحركة المعمارية العراقية بتصاميم اثرت بدورها وتأثيرها حركة الابداع المعماري العراقي،  نذكرمنها:  نصب الجندي المجهول العراقي (1958) و قاعدة نصب الحرية (1958)، بناية البريد المركزي في السنك (1970)، و مبنى اتحاد الصناعات الوطنية (1966)، و مبنى مجلس الوزراء (1975) و المجمع العلمي العراقي (1966)

و قال البروفيسور مايكل فيتزباترك، عميد كلية الهندسة في جامعة كوفنتري اثناء اعلانه اختيار لجنه التحكيم: “ تعد محاولات رفعة الجادرجي في الجمع بين العمارة الاقليمية و تكنولوجيا البناء الحديثة من الانجازات الاكثر فاعلية في الشرق و الاوسط و منها حصل على اعتراف عالمي كأحد اهم المعماريين الذين طورا  فكر العمارة الاقليمية في القرن العشرين. عمل رفعة الجادرجي الجاد، وتفانيه، وحرفيته و افكاره هي ارث شخصي عظيم و الهام للاجيال المعمارية الحالية و اللاحقة.”

مصرف الرافدين 1969
مصرف الرافدين 1969

وفي تعليق مؤسس جائزة تميّز، الاكاديمي احمد الملاّك قال: ” نحن سعداء و فخورون لكوننا استطعنا الاحتفاء بمنجز رفعة الجادرجي، احد اهم المعماريين و المنظرين في الشرق الاوسط والذي استطاع من خلال اعماله و كتاباته الهام اجيالاً من المعماريين العراقيين و العرب.  من المهم جداً بالنسبة لنا في تميّز تسليط الضوء على انجازات و اسهامات كل من رفعة الجادرجي و محمد مكية (نال جائزة تميّز للانجاز المعماري مدى الحياة 2014) لانهما يمثلان الجيل الذهبي من المعماريين و الفنانين و المفكرين و المثقفين الذين اسسوا نواة المجتمع المدني الحديث في عراق القرن العشرين، و الذي كان في فترة ما بيئة ثقافية غنية بنتاجاتها الفكرية و الفنية.”

من الجدير بالذكر ان المعمار محمد مكية نال جائزة تميّز للانجاز المعماري مدى الحياة عام و استلم الجائزة في منزله في لندن، للاطلاع على البيان الصحفي الرجاء الضغط هنا

جائزة تميّز برعاية: مجلس الاعمال العراقي في الاردن، جامعة كوفنتري، الاتفاق العالمي للامم المتحدة، ديوان للاستشارات الهندسية، مكتب اياد التحافي اركتكتس، مجموعة القبس الاقتصادية، مجموعة الدليمي للاعمال و جامعة لندن ساوث بانك.

المصدر: تميز

د. عبدالله الطاير: هويتنا من تراث وطرز معمارية لا يعني العيش في خيمة

سبق – دبي:

استضافت بلدية دبي ممثلة في دائرة التراث العمراني، الملحق الثقافي السعودي في الإمارات العربية المتحدة الدكتور عبدالله بن موسى الطاير، الذي ألقى محاضرة عن الثقافة الملموسة بالتطبيق على التراث المعماري وانعكاساته على الهوية في قراءة إتصالية للصورة الذهنية لتراثنا المعماري بصفته ثقافة ملموسة ذات تأثير مباشر على الهوية المحلية والوطنية.

وقدم للمحاضرة المهندس أحمد محمود رئيس قسم تنفيذ التراث بالدائرة، وحضر عدد من المهتمين والمهتمات المحاضرة التي دار بعدها حوار عن موضوعها.

وقال الدكتور الطاير في مستهل محاضرته: إن “اهتمامه بالإعلام والعولمة والهوية والإنتماء دفعه إلى اختيار هذا الموضع للحديث وتبادل الرؤى والأفكار؛ وذلك في محاولة لسبر العلاقة والمقاربة بين كل من الطراز المعماري كثقافة ملموسة، والهوية والإعلام”.

وقال: “إن الثقافة الملموسة تساعد على تعريف وتحديد سلوك المنتمين إليها ليس بالضرورة من خلال تصرفاتهم اللفظية، وإنما من خلال سلوكهم في التعامل معها”.

مؤكداً أن التراث العمراني هو جزء مكون لهويتنا الثقافية لا يجب أن يختزل للدلالة على الماضي، وإنما كمنجم يلهم المعماريين في هذا العصر تطوير طرز تناسب العصر وتستند على تراث محلي راسخ في النفوس ومتمكن من المشاعر، نعايشه ونتعايش معه سلوكاً تطبيقياً تقف اللغة المنطوقة عاجزة عن الإحاطة بتلك العلاقة.

مشيراً إلى أن التراث العمراني يصنع التنوع والانسجام بين أطياف المجتمع، ولذلك فهو أساس مهم من أسس المواطنة الحقة.

ورفض الطاير التمترس وراء المخاوف من الجديد، معتبراً أن التمسك بهويتنا المتمثلة في تراثنا وطرزنا المعمارية لا يعني العيش في خيمة الماضي، فقد تطور مفهوم الخيمة بما يتناسب مع العصر، لكنها بقيت خيمة لها وقع خاص في نفوسنا وترسل دلالة حضارية يلمسها الآخرون عن خصوصيتنا في مجتمعاتنا.

وقال: “إننا نسافر ونجول في هذا العالم متسع الأرجاء ونستوحي منه أفكاراً معمارية وطرزاً جميلة، فإذا أعجبنا نموذج محدد واستنسخناه في أرضنا فإننا نوجد معلماً جديداً وطارئاً على هويتنا، لكن إذا أخذنا فكرة ذلك الطراز وعملنا على تعديلها بما يتواءم مع بيئتنا بكل معطياتها فإننا بذلك نستنبت طرازاً ملائماً لحاجاتنا ومنسجم مع بيئتنا لا يلبث أن يندمج في الإطار العام لهويتنا المعمارية”.

المصدر: بناة

الهوية المعمارية بين الوجود والضياع

كتب المعمار جهاد الخندق:

لكل منا بطاقة تعريفية خاصة به تَدُل عليه وتشير الى أبعادِه الوجودية , بطاقة تعريفية رسمية يحفظها في جيبه وبطاقة تعريفية موجودة في جيناته فاختلاف الشعوب واختلاف أشكالها ومميزاتها وملامحها وعاداتها وتقاليدها هو أمر موجود لا محالة , والقدرة على رؤية هذا الاختلاف بين الأفراد والجماعات موجودة عند كل انسان عاقل , فمثلا قد لا تذهب طيلة حياتك الى دُول شرق اسيا الا أنك عندما ترى أحد أفراد هذه الدُول في بلدِك تستطيع أن تجزم أنه ينتمي الى تلك الدول وسيدُلك على هذا عدة أشياء منها ملامح الوجه وطبيعة اللباس وطبيعة الكلام , وكذلك الحال أيضا بالنسبة للدول الاسكندِنافية ودول الخليج العربي , فلكل منا هوية أو ” ذات ” وبطاقة تعريفية  تُساعد أي طرف على التعرف عليه حتى في حال عدم وجود أي صلة أو علاقة رابطة بين الطرفين , هو الاختلاف الموجود بين العالمين وأحد النعم التي أنعمها الله على البشرية أجمع .

9

ولأن الفن المعماري هو أساس الشعوب وهو القلب النابض لجسدها والبطاقة التعريفية الاولى لما خلفها , اختلفت الهوية المعمارية الناتجة أساساً من اختلاف الذات البشرية عبر الزمن من رقعة جغرافية لأخرى ومن حضارة لأخرى ومن تجمع لاخر فبعض الحضارات التي لازالت اثارها قائمة ليومنا هذا تستطيع التعرف عليهم من خلال فن البناء الذي مارسوه قبل الاف السنين , بالتأكيد قد يوجد أشياء مشتركة في اللغة المعمارية لكثير من الحضارات الا أن أغلب الأمم التي تعاقبت ولا زالت تتعاقب على هذا الكوكب تتميز بشيء مُعين في عمارتها وتاريخ بنائها ,هذه التميز مُستمد أساساً من داخل الأمة وكيانها الوجودي , ان هذه المميزات المعمارية لحضارة معينة هي المحددات الرئيسية والركيزة الأساسية لما يسمى ب ” هويتها المعمارية ” والهوية المعمارية هي أحد الركائز الأساسية الحافظة والموثقة لتاريخ الشعوب وتاريخ وجودها واهتمام الأفراد والحضارات بابراز هويتهم الخاصة في عمارتهم قائم على هذا الأساس .

2
ان الهوية المعمارية هي البطاقة التعريفية الأولى للأمة , واذا ما أرادت أي أمة أن تحافظ على نفسها وجوديا وتحافظ على كل علاقات اللغة والثقافة والعقائد التي تربطها يجب عليها ان تعمل وفق هوية معمارية مستمدة من داخلها , أي أن هوية العمارة تمثل هوية أمة , ولو نظرنا في سالف الازمان وتاريخ الامم سنجد أن لكل أمة هوية تعريفية وهوية معمارية خاصة بها ساعد على حصول هذا الشيء عدة أسباب أهمها عدم سهولة الاتصال بين الأمم الأخرى وصعوبة الانفتاح على العالم كما هو موجود حاليا , فالكثير من أمم السابق كانت لا تلتقي الا في حالات الحروب ,اعتزاز كُل أمة بأن يكون لها منهج خاص في كُل نواحي حياتها ولعل أبرزها فن البناء , أما اليوم مع وجود كل سبل الاتصال السريع والمُيسر أصبحَ الاتصال بين سائر الأمم بضغطة زر وأصبح اختلاط الثقافات والأفكار بين العالمين أجمع أمر بغاية السهولة وهو الأمر الذي سهل ومهد الطريق الى انهيار الهوية المعمارية من خلال انخراط الأمم ببعضها , قد يعتبر البعض أن لفظ ” انهيار ” الهوية المعمارية هو لفظ مبالغ فيه بعض الشيء , الا أنه لا يختلف اثنان من أصحاب الشأن على أن الهوية المعمارية تتلاشى شيئا فشيء وأخشى ما أخشاه أن ننهض من فراشنا يوماً لنجد أن كل العالم أصبح بشكل واحد فتكاد لا تميز أبنية باريس من أبنية دول المغرِب العربي .!

1
قد يتسائل البعض عن أهمية وجود الهوية المميزة لكل أمة على حدة , وقد ينظر صنف اخر من منظور اخر الى حسنات الاندماج العالمي معمارياً ونسيان مساوئ هذا الاندماج الذي يُخفي أحد أهم الركائز الموجودة داخل كل معماري مثل الابداع والانتماء للأرض واستخدام الموجود وما شابه ذلك , ان التشابه المعماري يعمل على الغاء الكثير من المفاهيم المميزة لكل معماري على حِدة ويشجع على عمل نسخ بنائية دون اي تفكير ودون النظر في العوامل الجانبية الأخرى وأثرها على كل أمة ثقافياً واجتماعياً وأخلاقياً , ان الباحث في الحقب المعمارية التاريخية والحقب القديمة سيجد الكثير من التشابه فيما بينها لكنهُ سيجد الكثير من المميزات لكل حقبة عن الأخرى وهذا يوطد أهمية كل امة وكل حقبة عن الأخرى , في الماضي كان رؤية مبنى والتعرف على الهوية المعمارية الخاصة به أمر في غاية السهولة الا أنه في أيامنا هذه وخصوصا في الدُول التابعة للغير للأسف تكاد لا تميز مدرسة معمارية ولا هوية معمارية ولا تاريخ ولا أي شيء من هذه القبيل في المباني الموجودة والقائمة ..!

7

الان دعوني أخص بالذكر هويتنا المعمارية العربية بكافة نواحيها ومجالاتها , فهي تتعرض لهجمة منذ مدة من كافة الثقافات والهويات العالمية ولعل أبرزها الهوية والثقافة الأمريكية , قد أصبح المعماري العربي ينسى جذوره في حالاته التصميمة ويواكب كُل ما هو حديث وكُل ما هو دارج من ثقافات عالمية غذَت عقول شعوبنا العربية فالاِنفتاح على الثقافات العالمية من قبل الزبون العربي ورؤيته لما هو دارج في عالم الغرب جعلته يُطالب أن يكون تصميمه الخاص به بعيدا كُل البُعد عن جذوره العربية وهويته القومية , ان المعماري العربي لا يستطيع أن يقاوم عكس التيار فالمسؤولية الكبيرة للحفاظ على الهوية المعمارية العربية تقع أساساً على عاتق أفراد المجتمع ومسؤوليه الذين يضعون المعماري في حيرة من أمره خلال العملية التصميمية , فالمعماري لِوحده لا يمكنه أن يقاوم العولمة التي تدعو الى هدم كل الحواجز بين الأمم ليصبح العالم كُله كَقَرية صغيرة مُتشابهة أركانها .

4
هناك عدة عوامل تساعد على اختفاء الهوية المعمارية العربية لعل أبرزها عدم وعي افراد المُجتمع بأهمية وجود هوية حافظة لتاريخهم  , كما أن بعض القوانين التي تَسُنها البلديات المسؤولة عن حركة البناء تُعكر صفو الاحتفاظ بالهوية المعمارية التقليدية , الانفتاح الكبير للزبون العربي على ثقافات العالم واعجابه الكبير بالفكر الغربي عن طريق وسائل الاعلام , الكُلفة المادية الزائدة أحياناً والمطلوبة لانجاز عمل معماري مُعين , العولمة ومبادئها التي أصبحت من المفاهيم الأساسية في عصرنا الحالي والتي دخلت كُل منازلنا العربية واستوطَنت في عقولنا , في ظل كل هذه الأسباب وأكثر ان هويتنا المعمارية العربية تختفي شيئاً فشيء ولا بُد من موقف جاد من قِبل الجهات الرسمية في قوانينها ومواثيق بلدياتها وبالتعاون مع معماريي الفِكر السليم يجب أن نُؤكد على أهمية الحفاظ على هويتنا العربية التي تُعد من أرقى وأجمل الهويات المعمارية على الاطلاق ,لا يجب أن يبقى الفرد العربي منصاغاً لثقافات الغرب فالعمارة هي واجهة الأمة فلا تُتعب نفسك بالاختفاء خلف أفكار غيرك ما دُمت تملك ارث وهوية معمارية تشهد لها الازمان .
5
أتمنى أن أكون دائما عند حُسن ظنكم , اذا كان لديك أي اقتراح أو أي تعديل اترُكهُ بالتعليقات , وشُكراً .

سارة السباعي تكتب: أزمة الهوية المعمارية

تعبر الهوية المعمارية تعبيرًا حيًا وصادقًا عن ثقافة المجتمعات، فهي الترجمان الصادق لطابع المجتمع في أبعاده المادية والروحية، وهي تذكير دائم وحلقة وصل بين المراحل الكبرى للتطور في ثقافة الشخصية الوطنية،

وهي ليست مرادفًا للعمارة التراثية بل إن التراث ما هو إلا عاملا مؤثرا فيها، فالهوية المعمارية تترجم الهوية الثقافية للمجتمع في سياق تفاعلها الإنساني والحضاري عبر الأزمنة المختلفة، فما تتضمنه الهوية المعمارية ماهو إلا تعبيرعن الوعي بالهوية الثقافية وفهم المجتمع وانتمائه لهويته الوطنية،أما العمارة ضبابية الملامح فلا تعكس إلا تشوشًا في صياغة ملامح الهوية الثقافية الوطنية.

الهوية تُعرَّف بأنها سمات خاصة يمكن من خلالها تمييز شخص عن آخر أو جماعة عن أخرى أو ثقافة عن أخرى ..وهي الخصوصية الثقافية التي تنمي الإحساس بالذات وتفعل الأنا وتحدد الشخصية الحضارية وتؤكد موقعها في الحضارة العالمية.. فهي باختصار الإجابة على سؤال من أكون .

والهوية مركب من العناصر المرجعية المادية والاجتماعية والذاتية المصفاه التي تسمح بتعريف خاص للشخصية الوطنية ،وطالما أنها مركب من عناصر فهي ضرورة متغيرة في الوقت ذاته الذي تتميز فيه بثبات معين، وهي ليست كتابًا يُعطَى دفعة واحدة وإلى الأبد إنما هي حقيقة تولد وتنمو وتتكون وتتغاير وتشيخ وتعاني من الأزمات الوجودية والاستلاب . .

أما الهوية المعمارية فهي التفرد والتميز المعماري لمجتمع ما، ويأتي هذا التفرد من العوامل المحيطة بهذا المجتمع من عوامل سياسية واقتصادية وبيئية واجتماعية وثقافية، ولا يمكننا التطرق للهوية المعمارية دون أن يصبح الحديث عن الهوية الثقافية الوطنية شيئا محوريًا ،لأن تشكيل الهوية الثقافية يؤثر بشكل لافت على الهوية المعمارية التي بدورها تعبر بشكل حيّ عن ثقافة المجتمعات وتعتبر انعكاسا اصيلا وترجمة حقيقية لطبيعة المجتمع وتقاليده بأبعاده الاجتماعية والنفسية والاقتصادية والسياسية والتاريخية ، فالعمارة كما يراها مارتن لوثر هى سجل لعقائد المجتمعات والشعوب ويقول عنها فيكتور هوجو هى المرآة التى تنعكس عليها ثقافات الشعوب ونهضتها وتطورها ومعنى ذلك أن العمارة هى صورة للمجتمع .

 

عرب أم فراعنة ؟ طراز فرعوني أم طراز إسلامي ؟

سجال لم ينته منذ عقود ولكن يتجلى منه ربط الهوية المعمارية بهوية الشخصية الوطنية مع فوضى في استخدام المصطلحات.

وربما لو دققنا في معنى المصطلح وأعدنا صياغة السؤال لظهرت الإجابة تلقائيًا، يجب أولا أن نحدد ما المقصود بكلمة عرب هل المقصود أن بعدنا الحضاري يرجع أصوله إلى شبه الجزيرة العربية واليمن تحديدًا أي عرب بالمعنى الإثني للكلمة أم المقصود أننا شعب يتحدث اللغة العربية .ردًا على الفرضية الأولى يكفى أن أذكر أن تاريخ بناء سد مأرب الذي نزحت على إثر انهياره القبائل اليمنية إلى مختلف أنحاء شبه الجزيرة العربية كان في القرن السابع قبل الميلاد أي بعد بناء أهرامات الجيزة بحوالى ثمانية عشر قرنًا، فقد بُنيت الأهرامات في القرن الخامس والعشرين قبل الميلاد . لذا لا يمكن أن نكون عربا من المنظور العرقي للكلمة ،أما اذا كان المقصود أننا عرب من زاوية اننا شعبٌ يتحدث العربية لجاز لنا أن نقول على الشعب الجزائري فرنسيين أو أن نَصف الشعب الاسترالي بالإنجليز .

عندما دخل عمرو ابن العاص مصر لم ينتقل من الحضارة العربية سواء من الثقافة أو العمارة أو العمران سوى اللغة التي دخلت مع دخول الاسلام فاقترانها كان بالدين وليس تأثرًا بالثقافة العربية التي لم تنتقل أصلا حتى يومنا هذا ،فالأدق أن نقول أننا مصريون نتحدث اللغة العربية وبما أن عمرو بن العاص لم يأت بشعب إسلامي إستوطن مصر بل إن المصريين هم من اعتنقوا الدين الإسلامي فنحن «مصريون» نتحدث اللغة العربية ويتخذ معظمنا الدين الاسلامي ديانة، وقد تعرض الأديب السوداني عبد العزيز بركة ساكن لتلك الجدلية في روايته مخيلة الخندريس حين عرف نفسه قائلاً أنه ليس كاتباً عربياً بل كاتب سوداني يكتب بالعربية.

أما كوننا فراعنة ففي حقيقة الأمر أن الفراعنة هي طبقة الحكم وصاحبة الديانة فالفرعون يشابه القيصر في الحضارة الرومانية والتي لم نسمع قط أنها تدعى الحضارة القيصرية ولذلك فإن حضارة مصر القديمة يمكن أن تسمى الحضارة المصرية ذات المعتقد الفرعوني .

أما فيما يتعلق بالطرز فيبدو الخلط واضحا بين الطراز والطابع فالطراز المعماري له محددات وعناصر وقدر من الفردات التي لا يمكن الخروج عنها ،فهناك طرز فرعونية مختلفة ،فطراز معبد زوسر يختلف عن طراز معبد الكرنك والإثنان يختلفان كليا عن طراز معبد حتشبسوت ،ولكن كل هذه الطرز تحمل الطابع الفرعوني لاعتمادها على مفردات متشابهة

واذا افترضنا أن هناك ما يسمى بالطراز الإسلامي لوجدنا المساجد في كل أنحاء العالم الإسلامي تحمل نفس الطراز وهذا غير صحيح فهم مشتركون كونهم مبان دينية إسلامية لكن المفردات المتباينة لكل منهم مستمدة من الموروث الحضاري للمكان، فهناك طراز مملوكي وطراز أيوبي وطراز فاطمي جميعهم يحمل الطابع الإسلامي المستمد من بعض العناصر والمفردات ،فالمفردات المعمارية هي التي تخلق الطابع في إطار الطراز .

 

التراث والتقليد

الفرق بين التراث والتقليد أن التراث ماهو إلا تقليد لم يعد مستخدما سواء كان حرفة أو لغة أو نمط من أنماط الحياة فعندما يموت التقليد يصبح تراثًا لذا لا نستطيع أن نقول إحياء العمارة الفرعونية ولكن إحياء الطابع الفرعوني، والسؤال المطروح فيما يخص الهوية الحالية ما الذي سنستحضره من الموروث والذي سوف نحافظ عليه من التقليد وهل التقليد يتعارض أم يتماشى مع احتياجاتنا العصرية ؟

يمكن أن نستعيد من الموروث ملامح في صورة مفردات نغذي بها الطرز الحديثة المتلائمة مع احتياجاتنا العصرية فأضيف لكل ما هو عصري بعدا حضاريا فيما يعرف ببصمة الهوية، يقول بوراسا «إن هويات الجماعات الثقافية يمكن تحقيقها رمزيًا فلا توجد ثقافة دون نظام للرموز لتمثيل هذه الثقافة، والثقافة لا تسعى إلى تأكيد فقط في الأشكال الرمزية لكنها تسعى للحفاظ على نفسها عبر هذه الأشكال «.ففطرة الانسان مبنية على بناء علاقات قوية مع ما يحيط به من أشكال فكلما كان الشكل معبرًا عن الشخص أي مرتبطًا بمعتقداته وقيمه وأعرافه كلما أصبح جزءا من الذاكرة الجماعية المحلية وأصبح قادرا على الاستمرار عبر الزمن .وهذا يفسر لنا أن المعابد التي شُيدت في مصر على الطراز البطلمي وهو مزيج مابين الحضارة الإغريقية والحضارة المصرية لم تتكرر أو تستمر لأنها مفتعلة ولا تعبر حقيقة عن هوية المصريين .

عندما دخل المسلمون مصر وجدوا الطرز الفرعونية المختلفة والطراز البطلمي ونوعين من العمارة المسيحية (فجر المسيحية والقسطنطينية ) ، أخذوا القبة من الطراز القسطنطيني والأعمدة من الطرز الفرعونية والرومانية وفكرة المأذنة من أبراج الكنائس ،لكن الفنان المصري المسلم عبر عن الإسلام بثقافته المصرية ، فعلى سبيل المثال لا الحصر قد دأب المصري على زخرفة جدران المعابد ولم يتنازل عن هذه الثقافة بسبب تحريم الاسلام للتصوير لكنه استبدلها بالزخارف الهندسية والتحورات النباتية والخط وأبدع فيهم بشكل استثنائي، فقد أوجد لنفسه نظما ومفردات تتماشى مع كونه مسلما «مصريا». لذا كانت أكثر الطرز استمرارا في مصر هو الطراز المملوكي لأنه اعتمد بنسبة عالية على الموروث الثقافي المصري، وللسبب المقابل لم يتكرر نمط جامع محمد على في مصر لأنه منقول من جامع آيا صوفيا (كنيسة آيا صوفيا سابقا) التي تعد من أبرز الأمثلة على العمارة البيزنطية والزخرفة العثمانية، وكذلك مأذنة أحمد ابن طولون المأخوذ من ملوية سامراء في العراق لأن كليهما ليس له علاقة بالثقافة المصرية رغم أنهما مبان إسلامية .

فقد أثر التراث الفرعوني في الثقافة الإسلامية وانعكس هذا التأثير في الشخصية المعمارية الإسلامية ، ونجد ذلك واضحًا في العمارة الحربية فأسوار بوابات القاهرة تشبه إلى حد بعيد صرح المعبد الفرعوني، فما تم إنتاجه من مبان في العصور الإسلامية كانت مقبولة على مستوى الثقافة المصرية، ربما لتشابه المضمون الإسلامي مع المعتقد الفرعوني ففكرة الحياة الأخرى والحساب والثواب والعقاب كلها أفكار متأصلة عند المصريين كما أن فكرة التوحيد لم تكن غريبة عليهم فقد اعتنقوها في عهد امنحوتب الرابع ، فالمعتقدات الرئيسية لم تكن مختلفة بل إن مفهوم التساوي وهو أحد الاختلافات الجوهرية قد أضاف شعورا بالرضى من العامة بتساويهم مع الفرعون أو الحاكم أو أيا كانت السلطة ، وانتقالا إلى مردود التغير عمرانيا ومعماريا، تقافيا وتعبيريا، فإن الحضارة المصرية وقت إزدهار الدولة الإسلامية في العالم سواء كانت مصر دولة مستقلة تماما في فترات انفصالها عن الخلافة العباسية أو في فترات وجود دول قوية بعد الحروب كالدولة المملوكية والأيوبية أو حتى في فترات وجود الخلافة في مصر كالدولة الفاطمية، كانت تلك الحضارة هي حضارة مصرية خالصة اختلفت تماما عن حضارات الدول الإسلامية الأخرى فمثلا العمارة الإسلامية في إيران تعبر عن حضارة فارسية خالصة تتشابه فيها العناصر المعمارية وتختلف مفردات التعبير، تختلف النسب وبالتالي تختلف الصورة تماما، لذا فبيت القصيد هو أن شكل العمارة وشكل العمران، صورة الحضارة تغيرت في مصر فقط عند تغير المعتقد لكن كلا الحضارتين قد بنيت بسواعد مصرية وبفكر مصري، ولأن الدولة المصرية القديمة كانت كهنوتية فإن الغوص في بحور العقيدة وتسخير وسائل التعبير في خدمة العقيدة كان من مهارات الشعب المصري على اختلاف مستوياته الفكرية، فبدلا من استخدام المسلة كرمز للانتقال من الأرض للسماء ظهرت المأذنة كوسلية نشر الدعوة للصلاة من أعلى لأسفل وجاءت عرائس المسجد لتشير إلى تعشيق الأرض بالسماء تلك هي العقلية المصرية، فما وجده المصريون من اختلافات جعلهم يخلقون صيغة مناسبة يحافظون بها على ثقافتهم الموروثة في ظل معطيات الدين الجديد، فالمصريون استطاعوا تغيير التفصيلة باستخدام نفس القماش لكنهم لم يستبدلوه بقماش آخر.

 

قاهرة الخديوي

مع دخول مصر تحت مظلة الدولة العثمانية في بدايات القرن السادس عشر ،لم تقل أهمية المعتقد أو هيمنته في تشكيل الهوية الثقافية المصرية ، لكن كانت السلطة العليا ( الباب العالي) تنظر إلى مصر كمصدر للثروات والمهارات متجاهلة تماما موروث مصر الثقافي، فمرت البلاد بعدة قرون من الخفوت كحضارة مؤثرة في المنطقة والعالم حتي بدأت مرحلة جديدة من التغيير مع بداية القرن التاسع عشر تزامنًا مع تولى محمد على الكبير حكم مصر وتعد تلك المرحلة من أهم المراحل الانتقالية في تاريخ الشخصية المصرية ، فقد بدأ بتغيير المؤسسة المهيمنة من المؤسسة الدينية إلى المؤسسة العسكرية وكان هذا أول تحول وبعد أقل من نصف قرن استطاعت أسرة محمد على تغييرالدور التاريخي لمصر منذ فجر التاريخ، فدائما وأبدا كانت مصر مصدرا للضوء في جميع المجالات حتى تحولت مع فكرة التحديث إلى لعب دور المتلقي المظلم وهذا التغيير هو الذي أوجد ما يعرف بقاهرة الخديوي والتي تعتبر ترجمة للتغيير الذي أصاب الشخصية المصرية لأن هذه المرة تم استيراد ثقافة بجنباتها من سلوك ولغة ووسائل تعبير ربما لم تمتد وتتوسع لكنها وُجدت ولا يمكن تجاهل تأثيرها في المسار الزمني للشخصية المصرية ويعتبر هذا هو التحول الثاني .

 

باريس الشرق

وسط البلد ،مركز المدينة ،تخطيط شعاعي ،باريس الشرق ..هكذا كان حلم الخديوي اسماعيل في أن تصبح القاهرة باريس الشرق ، وهنا فتحت البلاد أبوابا على مصراعيها للثقافة الأوروبية الطعام ،الملابس،الأدب وأخيرا العمارة حيث وُجدت في القاهرة في مركز المدينة تقريبا كافة الطرز ومدارس التعبير التي كانت موجودة في أوروبا خلال منتصف القرن التاسع عشر والتي لم تؤثر فقط على مركز المدينة ولكن على المناطق المحيطة بها أيضا، وأعطت نواة للعمارة والعمران ساعدت على أن تواكب العمارة المصرية العمارة الأوروبية، وبرغم أن كتاب «باريس على النيل « يصف هذه الفترة أنها أكثر فترات مصر ثراءا في العمارة والعمران إلا أني أرى أن استيراد مفردات كاملة لثقافة ما لا يدل إلا على فقدان ملامح الهوية الثقافية الوطنية .

إن «المصريّ» لم يكن يوما مشوشا فيما يخص ملامح هويته الثقافية ،وكان خير من عبر عنها في الفنون المختلفة ولا سيما العمارة التي رصدت كيف يعنى المصري بالمحافظة على هويته الثقافية عن طريق تطويعها لتتناسب مع المعطيات المتجددة دوما ضمن مراحل التطور المختلفة والعصور المتباينة التي مرت عليه ، فهو لم يطمسها ولم يستبدلها وكانت هي الأصل الذي صاغه بما يلائم ما يتأثر به من حديث وما يطرأ على ثقافته من وارد يتبناه ليفرز لنا منتجا «مصريا» في ثوب يناسب عصره ، وقد أدهشنا هذا المصري بقدرته على لفظ كل ما لا يعبر عنه أو يمثله وإن كان بديعا ، وحساسيته تجاه كل ما هو مفتعل بفعل ظروف سياسية لأنظمة حكم مختلفة توالت عليه فلم يعلق بذاكرته إلا كل ما شعر أنه يشبه ملامحه، فكانت هويته الثقافية مُعَرَّفة وواضحة صاغها بأشكال مختلفة تعبيرا عن تفاعلها الإنساني والحضاري.

أما ما نراه الآن هو حالة من الفوضى المعمارية و دليل واضح على فقدان ملامح ومحددات الشخصية الثقافية الوطنية، فأصبحت المدينة خلفية لصورة هوية لم تحدد بعد ،وأصبحت العمارة صماء فاقدة لكل وسائل تفاعلها مع المستخدم ،يجب أن نبدأ في تحديد الملامح الثقافية للشخصية المصرية من هى الآن وما الذي يعبر عنها ، ما هي نسبة الموروث داخلها وما هو قدر المدخل من الثقافات الغربية، ماهى رسالة الدولة التي يجب أن تنعكس في مبانيها الحكومية ، يجب أن نحدد الإجابات على كل تلك الأسئلة قبل البدء في أية مشروعات عمرانية جديدة حتي لا نصيب الشخصية المصرية بمزيد من التشوه وفقدان الملامح الذي حتما سينعكس على الحياة الاجتماعية من سلوك فوضوي ويؤثر على الحالة الشعورية فيفرز فنا عبثيا مشوها فاقدا للرؤية والهدف والرسالة ،

إن الفوضى العمرانية كما تبدو عشوائية الاتجاه والطابع إلا أنها خلفية محايدة لأي توجه واضح تتبنى فيه الدولة نموذجا يعبر عن شخصيتها ويؤمن بتلك الشخصية المبدعون فيعبروا عنها إبداعياً فتعبر الموسيقى عما يعبر عنه الفن التشكيلي وتعكس العمارة مخلوط الفن كتعبير شعوري والتصميم كتعبير فكري تلك الشخصية، فلم يفت الآوان بعد لقيام الدولة بتحديد رسالتها ولم ينضب العقل المصري بعد عن ضخ منتجه الإبداعي والعصري.

المصدر: الأهرام – سارة السباعي