العمارة الإسلامية تاريخ من الجمال والإبداع لرضوان طحلاوي

رضوان طحلاوي:

الدين الإسلامي الذي انطلق من كلمة موجزة {اقْرَأْ} [العلق:1]، في حيز كهف حراء، كان إعلاناً بالمضمون العلمي والدنيوي للإسلام إضافةً إلى المضمون الديني. واستطاع الإسلام، بما ملك من فكر إنساني، أن ينتشر على رقعة واسعة تمتد من الصين شرقاً حتى تخوم العاصمة الفرنسية غرباً. وأنتجت الحضارة الإسلامية شخصية فنية متكاملة في العمارة والفنون وتخطيط المدن، لها خصائصها التي تميزها من غيرها من الحضارات في كل بقعة من البقاع التي انتشر فيها الإسلام. واتّصف الفن المعماري والعمراني الإسلامي باستيعابه المدارس التي سبقته كافة، وكانت سائدة في آسيا الغربية، فحاورها طالب علم وفن، وتعلم منها ونهل من تراثها، ثم صار المعلم القدير، فصاغ ما أخذه بأسلوبه الخاص، واستطاع في مئة عام أن يبلور هذه الشخصية الفنية وهذه الهوية الخاصة التي تميّزت بها الحضارة الإسلامية.

المدارس الفنية السابقة للعمارة الإسلامية
تجاوز الإسلام حدود الجزيرة العربية منتشراً في المناطق التي كانت خاضعة لسيادة  الإمبراطوريتين البيزنطية والفارسية، وكانت مسرحاً لأغنى الحضارات وأكثرها رقيّاً، ومن ثم ورث عن هاتين الإمبراطوريتين تقاليدهما المعمارية والعمرانية، التي كانت أصلاً ممتزجة بالتقاليد  traditions الفنية المحلية لمناطق نفوذهما، وكانت تسودها المدارس المعمارية والفنية الآتية:

1ـ المدرسة البيزنطية أو المسيحية الشرقية: كانت منتشرة في آسيا الصغرى (تركيا) وسوريا وفلسطين وشرقي الأردن، وقد وقعت هذه المنطقة تحت التأثير الكلاسيكي نحو 1000 عام منذ عهد لإسكندر حتى الفتح الإسلامي، وتأثرت بالموجات الهلنستية.

2ـ المدرسة الفارسية: كانت سائدة في العراق وفارس، وتأثرت هذه المدرسة بالفنون المعمارية والزخرفية المقتبسة عن المدرسة الرافدية mesopotamian التي كانت سائدة في الألفين الثالث والثاني قبل الميلاد.

3ـ المدرسة القبطية: كانت منتشرة في مصر، وهي وريثة المدرسة المصرية القديمة العريقة، التي تجاوزت تأثيراتها الحدود المصرية.

تنوع التعبير المعماري في المدرسة الإسلامية
استفاد العرب المسلمون من التقانات والأنماط التقليدية التي كانت سائدة في البلاد التي فتحوها في إشادة المباني والمنشآت، وذلك في الفترة الأولى من المدرسة الإسلامية، ثم ما لبثت أن تبلورت مدرسة فنية متكاملة تحمل هوية متجانسة على البلاد الإسلامية قاطبة، وصار من الصعب معرفة الأصول المقتبسة منها فتميزت من غيرها من المدارس الفنية.

ومردّ ذلك إلى عوامل مختلفة منها: العامل الديني، وهو أهم العوامل، أضفى الصبغة الإسلامية التي هي خلاصة للفكر والعقيدة الإسلامية على الأبنية الدينية والمدنية، كإشادة المساجد والجوامع وفق نظام وتخطيط معينيين يلبّيان الحاجة الوظيفية وتأدية الصلاة. والعامل الآخر هو العامل الجغرافي، وتشابه المناخ النسبي في أقاليم الإسلام حيث غلب عليها المناخ الصحراوي والمتوسطي فتشابه النسيج العمراني في تخطيط المدن، وعُرِف ما يسمى بالنسيج المتراص أو العفوي. وفي المجال المعماري اتصفت العمارة بالتصميم البيئي، وذلك بالتأكيد على انغلاق المباني من الخارج وانفتاحها على الداخل حول باحة مكشوفة حيث الهواء الطلق والماء والسماء والنباتات.

مميزات العمارة الإسلامية
تميزت العمارة الإسلامية بغنى مفرداتها المعمارية، واهتمامها بالنواحي الحياتية جميعها، فظهرت المباني الدينية من مساجد ومدارس وتكايا وزوايا وخانقاهات (دور الصوفية)، وأبنية مدنية كالدور والقصور، وأبنية عامة كالبيمارستانات (المشافي) والخانات (محطات استراحة المسافرين)، والحمامات والأسواق. كما ظهر الاهتمام بالحدائق والسبُل المائية على صعيد تخطيط المدن إضافة إلى العمارة العسكرية، وبُنيت القلاع والتحصينات والأربطة (قلاع دفاعية تقام على امتداد الشريط الساحلي).

لم يقتصر غنى العمارة الإسلامية على تنوع ماهيات الأبنية وموضوعاتها؛ بل تميزت بغنى مفرداتها وعناصرها المعمارية، فمن هذه العناصر القباب domes/cupolas والقبوات والعقود vaults بمختلف أشكالها (أنصاف الدائرية penannulars، والمدببة pointed arches، والحدوية horseshoe arches، والمفصصة multifoil …)، والأقواس arches والمآذن minarets والمحاريب niches والأروقة porticos، والعناصر الانتقالية للقباب من مثلثات كروية pendentives ومقرنصات stalactites، والفراغات الداخلية المكشوفة، والعناصر المائية fountains فيها، والسُبل المائية الموزعة في أحياء المدن، والفسقيات (البحرات الداخلية)، والأواوين iwans (غرف جلوس ثلاثية الجدران تطل على الفناء)، وعناصر الزخرفة ornaments المختلفة. وبرز شأن الكتابة inscription العربية عنصراً زخرفيّاً في مختلف الأبنية ورمزاً من رموز الديانة الإسلامية، وهي لغة القرآن الكريم.

البعد الفكري في العمارة الإسلامية
اعتمد الفن الإسلامي على الرمزية symbolism والتجريد وسيلة في التعبير المعماري. فالرقش (الأرابيسك) ornamentation /arabesque مثلاً هو حالة تعبيرية تفسيرية معينة للكون والوجود، حيث استطاع فن الرقش أن يصوّر الإنسان بشكله ومضمونه بما يمثله هذا المخلوق الصغير من عالم كبير ليس له نهاية، وبفلسفة صوفية تلاقت مع مبدأ تحريم التصوير والتشبيه في الإسلام. ولئن عرفت الحضارات المصرية القديمة والكلاسيكية (اليونانية والرومانية) استخدام الزخارف الهندسة والنباتية، فالمدرسة الإسلامية جعلت من هذه الزخارف مدرسة فنية لها أسلوبها وفلسفتها دُعيت بفن الرقش (الأرابيسك).

والمقرنص في العمارة الإسلامية هو عنصر اعتمد على فن الرقش بأبعاده الفلسفية عدا كونه عنصراً معمارياً للربط البصري بين الانتقال الشاقولي والخط المنحني.

وتجلت الرمزية أيضاً في العمارة الإسلامية بتأكيدها أشكال المربع والدائرة والعلاقة الجدلية بينهما، وهو ما يُلاحظ في مساقط الأوابد المعمارية المشهورة في التاريخ الإسلامي، فالمربع يمثل العناصر الأربعة المكونة للطبيعة في الفلسفة الصوفية وهي (النار والهواء والماء والتراب). وأتت المئذنة لتعبر عن الارتقاء نحو السماء عن طريق الآذان والدعوة إلى أداء فروض الصلاة. ولم تبتعد هذه الرمزية عن تنظيم المدن الإسلامية وتجلت في مخطط مدينة بغداد الدائري حيث المدينة حول المسجد الكبير. وقد يشعر الناظر إلى الصورة الجوية لمدينة غرداية Ghardaia / Taghardait الجزائرية، أنه أمام مشهد توحيدي تتجلى فيه المركزية التي تُشاهد في المدن الإسلامية وتُذَكِّر بمشهد الحجاج إلى بيت الله الحرام.
shapemosque.jpg
الجامع الأموي في دمشق
الجامع الأموي في دمشق

ملامح الفن المعماري والعمراني في أهم العصور الإسلامية

أولًا: في العصر الأموي (41 ـ 132هـ، 661 ـ 749م):
شهد العصر الأموي أوابد معمارية دينية ودنيوية عدة، أهمها: الجامع الأموي في دمشق وقبة الصخرة والمسجد الأقصى في القدس. وعدّ المسجد الكبير في دمشق أهم منشآت التاريخ الأموي، وفي رأي سوفاجيه Sauvaget “أول نجاح معماري في الإسلام”؛ إذ استطاع الربط بين التقليد المعماري المسيحي بمفرداته المعمارية والصيغة المعمارية الجديدة التي أتت لتنسجم مع وظيفة البناء وروح الدين الجديد، ولقد أثر هذا المبنى في بناء المساجد الإسلامية في مختلف العصور ومختلف مناطق انتشار الإسلام فيظهر ذلك جليَّاً في مسجد القيروان وجامع الزيتونة في تونس الذي يشبه إلى حدٍّ كبير جامع القيروان.

كذلك أشاد الأمويون القصور في بادية الشام لممارسة الصيد، ففيها بقايا نحو 30 قصراً، أهمها قصر الحير الشرقي، وقصر الحير الغربي، وقصير عمرة، وقصر المشتى، وقصر خربة المفجر.

تميز قُصير عمرة في الأردن باحتوائه على الرسومات الجدارية fresco paintings التي تمثل صوراً بشرية وحيوانية يعتمد عليها بعض الباحثين دليلاً على عدم صحة نظرية تحريم الصورة في الإسلام.

التأثيرات المعمارية الأموية في الأندلس
دخل المسلمون الأندلس عام 93هـ/711م وأصبحت ولاية أموية عاصمتها قرطبة Cordoba، واتّخذ عبد الرحمن الناصر لقب خليفة. بدأ عبد الرحمن الداخل بتشييد المسجد الكبير في قرطبة الذي استكمل في عهود لاحقة وأضيفت إليه العقود الحدوية والعقد المفصص الذي يُعد إحدى ابتكارات عصره، واستخدمت الشراريف في تزيينه وهي عنصر تزييني في أعلى البناء، ظهر في العمارة الشرقية ثم مالبث أن انتشر في إسبانيا. اشتهرت عمارة هذا المسجد بأقواسه ذات النمط المعماري المعتمد على الثنائية المؤلفة من صف أقواس حدوية يعلوها صف آخر من الأقواس الحاملة للسقف. ويتداخل فيها الحامل والمحمول في ثنائية جدلية متكررة بمنظور perspective بلا نهاية. وقد استخدموا الحجر والرخام والآجر. كما أن هذه الثنائية ظهرت في تناوب اللونين الأحمر والأبيض في الأقواس التي دامت لاحقاً سمة من سمات العمارة الإسبانية.

انتقل استخدام هذه الأقواس والتناوب اللوني فيها إلى العمارة المسيحية، وظهر ذلك في الكنائس، ولاسيما في العمارة الرومية والقوطية Gothic التي تأثرت بالأقواس الأندلسية، انتقلت عبر الحجاج المسيحيين من إسبانيا إلى فرنسا ومنها إلى أماكن أخرى، وتعدُّ أبراج الأجراس في الكنائس الرومية والقوطية تقليداً للمأذنة الرباعية الشكل؛ التي انتقلت من المسجد الأموي بدمشق. وهناك الأقواس والقبوات المتصالبة groined vaults وأركان القباب والتيجان النباتية إضافة إلى الزخرفة العربية في أعمدة مواساك وفي باب كنيسة بوي، وفي واجهات العديد من الأبنية في غربي فرنسا.

ثانيًا: في العصر العباسي (132ـ 358 هـ/749ـ 968م)
تبلورت المدرسة الإسلامية في مجال تخطيط المدن، وشُيّد في هذا العصر العباسي مدن عدة مثل بغداد وسامراء والرقة. وبنيت المساجد كمسجد سامراء، ومسجد أبي دلف الذي يبعد نحو 15كم شمالي سامراء، ومسجد ابن طولون في القاهرة. كما بنيت القصور ومن أهمها قصر الأخيضر جنوبي بغداد والجوسق الخاقاني في سامراء، وقصر بلكوارا قرب سامراء، ويتميز هذا القصر بتعدد الفناءات فيه، واحتوائه على أكثر من قاعة عرش، وباتساع حديقته واحتوائها على مرسى للزوارق على نهر دجلة.

تميزت المباني العباسية بتنوع أساليب الزخرفة فيها، فاستخدمت الفسيفساء mosaic والخشب المحفور، والتقطيعات الرخامية والطينية المطلية بالميناء وبلاطات القيشاني faience وتنوعت أشكال الأقواس من نصف أسطوانية ومدببة ومفصصة وحدوية، كما أصبح الإيوان عنصراً معمارياً مهماً في المباني العامة.

وامتد تأثير فن سامراء إلى صقلية حيث تبدو تأثيراته في الرسوم الجدارية التي تزين سقف كنيسة القصر chapel في باليرمو، التي حكمها المسلمون (212 – 453هـ/827 – 1061م) ومن بعدهم النورمانديون، الذين تبنوا كثيراً من التقاليد الإسلامية. ويظهر ذلك جليَّاً من الكتابات العربية التي تزين سقف كنيسة القصر إضافة إلى التاريخ الهجري المدونة به.

ثالثًا: في العصر العبيدي الفاطمي (359 ـ 468هـ/969ـ 1075م)

كانت مصر مقراً للخلافة العبيدية الفاطمية مدة قرنين (973ـ 1171م)، ويُعد الجامع الأزهر بالقاهرة أحد أهم المباني الدينية الفاطمية حيث تمتزج فيه تأثيرات العمارة الإغريقية التونسية مع المدرسة المحلية. وكذلك مسجد الحاكم بأمره، الذي يحمل اسمه. أما جامع الأقمر فتشكل الأشكال الصدفية للحنايا والتضليعات الموجودة في واجهته أول مثال للمقرنصات الزخرفية في مصر، ثم أصبحت تزين المآذن لاحقاً.

على صعيد العمارة المدنية لم يبق من القصور الفاطمية سوى أوصافها التي تدل على فخامتها. وفي الجزائر بنى عمال الفاطميين القلاع، مثل قلعة بني حماد، وقصر دار البحر؛ الذي يتميز ببركته الواسعة التي شبهت بالبحر، وقصر المنار وهو أشبه بقلعة تتجلى فيها التأثيرات الرافدية في عمارة تلك القصور. وأهم العناصر المعمارية المميزة لهذا العصر المحاريب والأقواس المسدودة والمشاكي والمقرنصات والخزف والتطعيم بالغضار المطلي بالميناء، ويعد العصر الفاطمي عصر ترسيخ فن الرقش الإسلامي.

رابعًا: في العصر السلجوقي
سادت الأسرة السلجوقية بغداد عام 447هـ/1055م، ودام حكمها حتى 569هـ/1174م، ومن أهم المباني الدينية السلجوقية المسجد الكبير في أصفهان ذو المخطط المصلب المستوحى من العمارة المدنية، ويتميز بالأواوين الأربعة المطلة على الصحن، وقد أصبحت فيما بعد الطابع المميز للمساجد الإيرانية.

أدخل السلاجقة الضريح mausoleum إلى جانب الجامع، وهو قبر tomb على شكل برج أو قبة إما ملساء أو محززة. وقبة ضريح السيدة زبيدة في العراق، وهي هرمية الشكل ثمانية الأضلاع، ومشابهة تماماً لقبة بيمارستان نور الدين الزنكي في دمشق. اهتم السلاجقة ببناء المدارس معاهد لتعليم الفقه والدين، كما اهتموا بالعمارة العسكرية؛ إذ تعود أصول قلعة دمشق للفترة السلجوقية.

أهم مميزات العمارة السلجوقية: مداخلها ذات الارتفاعات المنخفضة والمؤلفة من قوس مدبب متجاوز، واحتواؤها على أواوين تطل على الفناء من الجهات الأربع، إلا في حال وجود الحرم فتضم ثلاثة أواوين، ويتوسط الفناء عنصر مائي، وتغطي الفراغات قباب محمولة على حنايا ركنية أو مقرنصات، وتتنوع أشكال التغطية من قبوات ذات أشكال نصف أسطوانية وقبوات متصالبة وقباب، وتزين الأبنية الكتابات، وقد أدخلوا الخط النسخي أو الثلث للمرة الأولى، كما تطور فن النقش بأنواعه المختلفة، وفي إيران استخدموا الآجرّ بوضعيات غائرة ونافرة وبمداميك تتخللها درجات لونية مغايرة من أجل الزخرفة.

خامسًا: في العصر الأيوبي (569 ـ 658هـ/1174ـ 1260م)
أنهى صلاح الدين الأيوبي –رحمه الله- خلافة الفاطميين وحارب الصليبيين، واهتم بالحياة والعمارة العسكرية، ويعدُّ فن العمارة الأيوبية امتداداً للعمارة السلجوقية سواء في مصر أم في سورية. تم توسيع المدن وتجديد الأسوار وتشييد القلاع (كقلعة دمشق) والمباني العامة الدينية والمدنية كالمساجد والمدارس (كالمدرسة العادلية الكبرى بدمشق) والخانقاهات والأضرحة. واستخدموا الحجارة الكبيرة ذات البطن المنتفخ، وتطور نظام استخدام القباب من حيث الارتفاع ونقاط الارتكاز، وطغى على مبانيهم سمة التقشف والبساطة التي تجلّت في المساقط المعتمدة  على الباحة المربعة التي تتوسطها بركة ماء. واقتصرت الزخارف في المباني على أماكن محدودة في الأشرطة الزخرفية فوق مداخل الأبواب وإطارات النوافذ، وظهرت عناصر زخرفية جديدة تعلو مداخل الأبنية وهي الرنوك (الرموز، شعارات)، وقد أصبحت هذه المداخل أكثر ارتفاعاً يعلوها عقد مقرنص أو ذو قبتين صغيرتين.

سادسًا: في العصر المملوكي (658ـ 992هـ/1260ـ 1516م)
حكم المماليك مصر والشام والجزيرة واليمن والحجاز وليبيا، وظهر تبادل التأثيرات العمرانية والمعمارية في مناطق حكمهم، الذي كان في فترته الأولى عصر ازدهار وعمران، ظهر في بناء القصور والمدارس والأسواق والحمامات وغيرها. وتميزت العمارة المملوكية بتنوع الزخارف، ولاسيما الرنوك التي شاع استخدامها، ولم يعُد الفناء عنصراً أساسياً في جميع المباني المملوكية إذ وجدت أبنية مملوكية من دون فناءات أو ذات فناءات مغطاة، كما في جامع التيروزي والمدرسة الجقمقية بدمشق. وكذلك للأروقة والأواوين، فلم تعد من العناصر التي تميز هذا العصر، وإن استخدمت أحياناً في بعض المنشآت.

اعتمدت العمارة المملوكية على الحجارة المنحوتة جيداً، وعلى تناوب اللونين الأبيض والأسود في حجارة المداميك contrasting stones، وأحياناً اللون الأصفر أو الأحمر، وقد يبدو التناوب اللوني مستخدماً على الواجهة كلها، أو في بعض أجزائها. وظهرت أشكال جديدة من الأقواس، وتطور استعمال القباب ذات الرقاب barrels، خاصة في العنصر الانتقالي للقبة، الذي كان عبارة عن حنية ركنية أو مقرنصات أو مثلثات كروية. كما ظهر أول مرة الشكل الأسطواني للمآذن.

سابعًا: في العصر العثماني
قضى العثمانيون على الإمبراطورية البيزنطية عام 857هـ/1453م. وقد تأثرت المباني العثمانية بطراز كنيسة آجيا صوفيا “الحكمة الإلهية”، التي بناها الإمبراطور جوستنيان Justinian في القرن السادس الميلادي.

تأثرت العمارة الإسلامية بالأساليب المعمارية المستخدمة في القسطنطينية، وبالفن المعماري السلجوقي. وبعد فتح العثمانيين بلادَ الشام عام 922هـ/1516م امتزجت التقاليد المعمارية للعصر المملوكي مع التأثيرات العثمانية. وعلى صعيد العمارة الدينية أصبح الحرم مربع الشكل تغطيه قبة أحادية الرقبة تتخللها نوافذ الإنارة، ومن ثمّ لم يعد الحرم مقسماً إلى أروقة وأجنحة. ويسبق المصلى رواق مغطى بالقباب يطل على الفناء. أما المآذن فتميزت بالحسن والارتفاع  وتأثرت بطراز القسطنطينية كما في مسجد السليمانية والسنانية بدمشق. وظهر بناء التكايا مثل التكية السليمانية.

على صعيد العمارة المدنية شيد العثمانيون القصور والأحياء السكنية. وكانت دار السكن طابقين، السفلي للاستقبال “سلاملك”، والعلوي للنساء “حرملك”، وبرزت الطوابق العلوية على الشارع وأخذ الأتراك عن السوريين القاعة ذات الجدران المزخرفة التي تتوسطها فسقية.

على صعيد القصور أو السرايات فكانت في اسطنبول مبنية وفق التقسيم الثلاثي أو ثلاثية الأجنحة وتتميز بروعة زخارفها. وفي بلاد الشام اتّخذ القصر أو الدار الكبيرة التقسيم الثلاثي نفسه، فهنالك جناح الأسرة وجناح الضيوف وجناح الخدم (حرملك، سلاملك، خدملك)، وكل جناح له إيوان يطل على فناء مكشوف يتوسطه عنصر مائي وأحواض النباتات إضافة إلى حمام صغير مقسم إلى جواني وبراني ووسطاني. وللقصر أقبية وهناك طابقان، سفلي وعلوي، أما القاعات الكبيرة فكانت ذات أسقف مرتفعة يعادل ارتفاعها الطابقين.

وظهرت عناصر معمارية جديدة كالقوس العثماني وهو قوس مقعر نحو الخارج في جزئه العلوي، والجزء السفلي منه محدب، واستخدم القوس نصف الدائري المجزوء في فتحات النوافذ والأبواب، أي إن فتحته جزء من دائرة، وبقي استخدام المقرنصات شائعاً في التيجان وعقود البوابات وعنصراً انتقالياً في القباب. وقد استخدمت بلاطات القاشاني ذات الموضوعات الزخرفية النباتية عنصراً رئيسيّاً في إكساء الجدران الداخلية وبعض أجزاء الواجهات فوق الأبواب والنوافذ، وقد غلب عليها اللونان الأزرق والأخضر، كما استخدمت الفسيفساء الرخامية “المشقف” والنوافذ الجصية المعشقة بالزجاج.

وشاع استخدام الأبلق (زخارف ذات أشكال هندسية أو نباتية محفورة على الحجر ومملوءة بملاط جصّي ملون motley) في تزيين الواجهات، كما شاع استخدام الخشب المدهون والمزخرف بالرسوم النباتية والهندسية الملونة، كما في قصر العظم -متحف التقاليد والصناعات الشعبية، أو صور لمدن شهيرة أو مناظر طبيعية في إكساء الجدران والأسقف. وهو تأثير فن الباروك baroque والروكوكو rococo المنتشر في الغرب وهو ما شهدته قصور بلاد الشام ومساكنها (كمكتب عنبر، وبيت المجاهد فخري البارودي) في المرحلة المتأخرة من العصر العثماني.

ولمع مهندسون معماريون أسهموا في تطوير العمارة الإسلامية، وسجلوا أسماءهم في تاريخها، أمثال معمار سـنان التي انتشرت أعماله في معظم العواصم الإسلامية.

مما تقدم يبدو أن المدرسة الإسلامية هي مدرسة فنية متكاملة ضمّت أنواع الفنون جميعها، من معمارية وعمرانية وفنون تطبيقية وغيرها، وأسهمت ولا تزال في بناء الحضارة الإنسانية.

المصادر: 1، 2

للاستزادة انظر:
– عفيف بهنسي، خطاب الأصالة في الفن والعمارة (دار الشرق، دمشق، 2004).
– جورج مارسيه، الفن الإسلامي، ترجمة د. عفيف بهنسي (منشورات وزارة الثقافة، دمشق 1968م).
– رضوان طحلاوي، “الفكر الصوفي والبيت العربي من خلال رسائل إخوان الصفا” مجلة باسل الأسد للعلوم الهندسية، العدد العاشر (منشورات وزارة التعليم العالي، دار البعث، دمشق 1989).
– نجدة خماش، دراسات في الآثار الإسلامية (منشورات جامعة دمشق، مطبعة رياض، دمشق 1982).
– KATHARINA OTTO-DORN, (Traduit Par Jean – Pierre Simon), L’Art de L’Islam (Donderosa Leidshendam, Hollande,1972).
– BANISTER FLETCHER’S, A History of Architecture (New York, 1975).
– JOHN D. HOAG, Islamic Architecture (Abrams, New York).

اترك رد