د. عبدالله الطاير: هويتنا من تراث وطرز معمارية لا يعني العيش في خيمة

سبق – دبي:

استضافت بلدية دبي ممثلة في دائرة التراث العمراني، الملحق الثقافي السعودي في الإمارات العربية المتحدة الدكتور عبدالله بن موسى الطاير، الذي ألقى محاضرة عن الثقافة الملموسة بالتطبيق على التراث المعماري وانعكاساته على الهوية في قراءة إتصالية للصورة الذهنية لتراثنا المعماري بصفته ثقافة ملموسة ذات تأثير مباشر على الهوية المحلية والوطنية.

وقدم للمحاضرة المهندس أحمد محمود رئيس قسم تنفيذ التراث بالدائرة، وحضر عدد من المهتمين والمهتمات المحاضرة التي دار بعدها حوار عن موضوعها.

وقال الدكتور الطاير في مستهل محاضرته: إن “اهتمامه بالإعلام والعولمة والهوية والإنتماء دفعه إلى اختيار هذا الموضع للحديث وتبادل الرؤى والأفكار؛ وذلك في محاولة لسبر العلاقة والمقاربة بين كل من الطراز المعماري كثقافة ملموسة، والهوية والإعلام”.

وقال: “إن الثقافة الملموسة تساعد على تعريف وتحديد سلوك المنتمين إليها ليس بالضرورة من خلال تصرفاتهم اللفظية، وإنما من خلال سلوكهم في التعامل معها”.

مؤكداً أن التراث العمراني هو جزء مكون لهويتنا الثقافية لا يجب أن يختزل للدلالة على الماضي، وإنما كمنجم يلهم المعماريين في هذا العصر تطوير طرز تناسب العصر وتستند على تراث محلي راسخ في النفوس ومتمكن من المشاعر، نعايشه ونتعايش معه سلوكاً تطبيقياً تقف اللغة المنطوقة عاجزة عن الإحاطة بتلك العلاقة.

مشيراً إلى أن التراث العمراني يصنع التنوع والانسجام بين أطياف المجتمع، ولذلك فهو أساس مهم من أسس المواطنة الحقة.

ورفض الطاير التمترس وراء المخاوف من الجديد، معتبراً أن التمسك بهويتنا المتمثلة في تراثنا وطرزنا المعمارية لا يعني العيش في خيمة الماضي، فقد تطور مفهوم الخيمة بما يتناسب مع العصر، لكنها بقيت خيمة لها وقع خاص في نفوسنا وترسل دلالة حضارية يلمسها الآخرون عن خصوصيتنا في مجتمعاتنا.

وقال: “إننا نسافر ونجول في هذا العالم متسع الأرجاء ونستوحي منه أفكاراً معمارية وطرزاً جميلة، فإذا أعجبنا نموذج محدد واستنسخناه في أرضنا فإننا نوجد معلماً جديداً وطارئاً على هويتنا، لكن إذا أخذنا فكرة ذلك الطراز وعملنا على تعديلها بما يتواءم مع بيئتنا بكل معطياتها فإننا بذلك نستنبت طرازاً ملائماً لحاجاتنا ومنسجم مع بيئتنا لا يلبث أن يندمج في الإطار العام لهويتنا المعمارية”.

المصدر: بناة

الهوية المعمارية بين الوجود والضياع

كتب المعمار جهاد الخندق:

لكل منا بطاقة تعريفية خاصة به تَدُل عليه وتشير الى أبعادِه الوجودية , بطاقة تعريفية رسمية يحفظها في جيبه وبطاقة تعريفية موجودة في جيناته فاختلاف الشعوب واختلاف أشكالها ومميزاتها وملامحها وعاداتها وتقاليدها هو أمر موجود لا محالة , والقدرة على رؤية هذا الاختلاف بين الأفراد والجماعات موجودة عند كل انسان عاقل , فمثلا قد لا تذهب طيلة حياتك الى دُول شرق اسيا الا أنك عندما ترى أحد أفراد هذه الدُول في بلدِك تستطيع أن تجزم أنه ينتمي الى تلك الدول وسيدُلك على هذا عدة أشياء منها ملامح الوجه وطبيعة اللباس وطبيعة الكلام , وكذلك الحال أيضا بالنسبة للدول الاسكندِنافية ودول الخليج العربي , فلكل منا هوية أو ” ذات ” وبطاقة تعريفية  تُساعد أي طرف على التعرف عليه حتى في حال عدم وجود أي صلة أو علاقة رابطة بين الطرفين , هو الاختلاف الموجود بين العالمين وأحد النعم التي أنعمها الله على البشرية أجمع .

9

ولأن الفن المعماري هو أساس الشعوب وهو القلب النابض لجسدها والبطاقة التعريفية الاولى لما خلفها , اختلفت الهوية المعمارية الناتجة أساساً من اختلاف الذات البشرية عبر الزمن من رقعة جغرافية لأخرى ومن حضارة لأخرى ومن تجمع لاخر فبعض الحضارات التي لازالت اثارها قائمة ليومنا هذا تستطيع التعرف عليهم من خلال فن البناء الذي مارسوه قبل الاف السنين , بالتأكيد قد يوجد أشياء مشتركة في اللغة المعمارية لكثير من الحضارات الا أن أغلب الأمم التي تعاقبت ولا زالت تتعاقب على هذا الكوكب تتميز بشيء مُعين في عمارتها وتاريخ بنائها ,هذه التميز مُستمد أساساً من داخل الأمة وكيانها الوجودي , ان هذه المميزات المعمارية لحضارة معينة هي المحددات الرئيسية والركيزة الأساسية لما يسمى ب ” هويتها المعمارية ” والهوية المعمارية هي أحد الركائز الأساسية الحافظة والموثقة لتاريخ الشعوب وتاريخ وجودها واهتمام الأفراد والحضارات بابراز هويتهم الخاصة في عمارتهم قائم على هذا الأساس .

2
ان الهوية المعمارية هي البطاقة التعريفية الأولى للأمة , واذا ما أرادت أي أمة أن تحافظ على نفسها وجوديا وتحافظ على كل علاقات اللغة والثقافة والعقائد التي تربطها يجب عليها ان تعمل وفق هوية معمارية مستمدة من داخلها , أي أن هوية العمارة تمثل هوية أمة , ولو نظرنا في سالف الازمان وتاريخ الامم سنجد أن لكل أمة هوية تعريفية وهوية معمارية خاصة بها ساعد على حصول هذا الشيء عدة أسباب أهمها عدم سهولة الاتصال بين الأمم الأخرى وصعوبة الانفتاح على العالم كما هو موجود حاليا , فالكثير من أمم السابق كانت لا تلتقي الا في حالات الحروب ,اعتزاز كُل أمة بأن يكون لها منهج خاص في كُل نواحي حياتها ولعل أبرزها فن البناء , أما اليوم مع وجود كل سبل الاتصال السريع والمُيسر أصبحَ الاتصال بين سائر الأمم بضغطة زر وأصبح اختلاط الثقافات والأفكار بين العالمين أجمع أمر بغاية السهولة وهو الأمر الذي سهل ومهد الطريق الى انهيار الهوية المعمارية من خلال انخراط الأمم ببعضها , قد يعتبر البعض أن لفظ ” انهيار ” الهوية المعمارية هو لفظ مبالغ فيه بعض الشيء , الا أنه لا يختلف اثنان من أصحاب الشأن على أن الهوية المعمارية تتلاشى شيئا فشيء وأخشى ما أخشاه أن ننهض من فراشنا يوماً لنجد أن كل العالم أصبح بشكل واحد فتكاد لا تميز أبنية باريس من أبنية دول المغرِب العربي .!

1
قد يتسائل البعض عن أهمية وجود الهوية المميزة لكل أمة على حدة , وقد ينظر صنف اخر من منظور اخر الى حسنات الاندماج العالمي معمارياً ونسيان مساوئ هذا الاندماج الذي يُخفي أحد أهم الركائز الموجودة داخل كل معماري مثل الابداع والانتماء للأرض واستخدام الموجود وما شابه ذلك , ان التشابه المعماري يعمل على الغاء الكثير من المفاهيم المميزة لكل معماري على حِدة ويشجع على عمل نسخ بنائية دون اي تفكير ودون النظر في العوامل الجانبية الأخرى وأثرها على كل أمة ثقافياً واجتماعياً وأخلاقياً , ان الباحث في الحقب المعمارية التاريخية والحقب القديمة سيجد الكثير من التشابه فيما بينها لكنهُ سيجد الكثير من المميزات لكل حقبة عن الأخرى وهذا يوطد أهمية كل امة وكل حقبة عن الأخرى , في الماضي كان رؤية مبنى والتعرف على الهوية المعمارية الخاصة به أمر في غاية السهولة الا أنه في أيامنا هذه وخصوصا في الدُول التابعة للغير للأسف تكاد لا تميز مدرسة معمارية ولا هوية معمارية ولا تاريخ ولا أي شيء من هذه القبيل في المباني الموجودة والقائمة ..!

7

الان دعوني أخص بالذكر هويتنا المعمارية العربية بكافة نواحيها ومجالاتها , فهي تتعرض لهجمة منذ مدة من كافة الثقافات والهويات العالمية ولعل أبرزها الهوية والثقافة الأمريكية , قد أصبح المعماري العربي ينسى جذوره في حالاته التصميمة ويواكب كُل ما هو حديث وكُل ما هو دارج من ثقافات عالمية غذَت عقول شعوبنا العربية فالاِنفتاح على الثقافات العالمية من قبل الزبون العربي ورؤيته لما هو دارج في عالم الغرب جعلته يُطالب أن يكون تصميمه الخاص به بعيدا كُل البُعد عن جذوره العربية وهويته القومية , ان المعماري العربي لا يستطيع أن يقاوم عكس التيار فالمسؤولية الكبيرة للحفاظ على الهوية المعمارية العربية تقع أساساً على عاتق أفراد المجتمع ومسؤوليه الذين يضعون المعماري في حيرة من أمره خلال العملية التصميمية , فالمعماري لِوحده لا يمكنه أن يقاوم العولمة التي تدعو الى هدم كل الحواجز بين الأمم ليصبح العالم كُله كَقَرية صغيرة مُتشابهة أركانها .

4
هناك عدة عوامل تساعد على اختفاء الهوية المعمارية العربية لعل أبرزها عدم وعي افراد المُجتمع بأهمية وجود هوية حافظة لتاريخهم  , كما أن بعض القوانين التي تَسُنها البلديات المسؤولة عن حركة البناء تُعكر صفو الاحتفاظ بالهوية المعمارية التقليدية , الانفتاح الكبير للزبون العربي على ثقافات العالم واعجابه الكبير بالفكر الغربي عن طريق وسائل الاعلام , الكُلفة المادية الزائدة أحياناً والمطلوبة لانجاز عمل معماري مُعين , العولمة ومبادئها التي أصبحت من المفاهيم الأساسية في عصرنا الحالي والتي دخلت كُل منازلنا العربية واستوطَنت في عقولنا , في ظل كل هذه الأسباب وأكثر ان هويتنا المعمارية العربية تختفي شيئاً فشيء ولا بُد من موقف جاد من قِبل الجهات الرسمية في قوانينها ومواثيق بلدياتها وبالتعاون مع معماريي الفِكر السليم يجب أن نُؤكد على أهمية الحفاظ على هويتنا العربية التي تُعد من أرقى وأجمل الهويات المعمارية على الاطلاق ,لا يجب أن يبقى الفرد العربي منصاغاً لثقافات الغرب فالعمارة هي واجهة الأمة فلا تُتعب نفسك بالاختفاء خلف أفكار غيرك ما دُمت تملك ارث وهوية معمارية تشهد لها الازمان .
5
أتمنى أن أكون دائما عند حُسن ظنكم , اذا كان لديك أي اقتراح أو أي تعديل اترُكهُ بالتعليقات , وشُكراً .

سارة السباعي تكتب: أزمة الهوية المعمارية

تعبر الهوية المعمارية تعبيرًا حيًا وصادقًا عن ثقافة المجتمعات، فهي الترجمان الصادق لطابع المجتمع في أبعاده المادية والروحية، وهي تذكير دائم وحلقة وصل بين المراحل الكبرى للتطور في ثقافة الشخصية الوطنية،

وهي ليست مرادفًا للعمارة التراثية بل إن التراث ما هو إلا عاملا مؤثرا فيها، فالهوية المعمارية تترجم الهوية الثقافية للمجتمع في سياق تفاعلها الإنساني والحضاري عبر الأزمنة المختلفة، فما تتضمنه الهوية المعمارية ماهو إلا تعبيرعن الوعي بالهوية الثقافية وفهم المجتمع وانتمائه لهويته الوطنية،أما العمارة ضبابية الملامح فلا تعكس إلا تشوشًا في صياغة ملامح الهوية الثقافية الوطنية.

الهوية تُعرَّف بأنها سمات خاصة يمكن من خلالها تمييز شخص عن آخر أو جماعة عن أخرى أو ثقافة عن أخرى ..وهي الخصوصية الثقافية التي تنمي الإحساس بالذات وتفعل الأنا وتحدد الشخصية الحضارية وتؤكد موقعها في الحضارة العالمية.. فهي باختصار الإجابة على سؤال من أكون .

والهوية مركب من العناصر المرجعية المادية والاجتماعية والذاتية المصفاه التي تسمح بتعريف خاص للشخصية الوطنية ،وطالما أنها مركب من عناصر فهي ضرورة متغيرة في الوقت ذاته الذي تتميز فيه بثبات معين، وهي ليست كتابًا يُعطَى دفعة واحدة وإلى الأبد إنما هي حقيقة تولد وتنمو وتتكون وتتغاير وتشيخ وتعاني من الأزمات الوجودية والاستلاب . .

أما الهوية المعمارية فهي التفرد والتميز المعماري لمجتمع ما، ويأتي هذا التفرد من العوامل المحيطة بهذا المجتمع من عوامل سياسية واقتصادية وبيئية واجتماعية وثقافية، ولا يمكننا التطرق للهوية المعمارية دون أن يصبح الحديث عن الهوية الثقافية الوطنية شيئا محوريًا ،لأن تشكيل الهوية الثقافية يؤثر بشكل لافت على الهوية المعمارية التي بدورها تعبر بشكل حيّ عن ثقافة المجتمعات وتعتبر انعكاسا اصيلا وترجمة حقيقية لطبيعة المجتمع وتقاليده بأبعاده الاجتماعية والنفسية والاقتصادية والسياسية والتاريخية ، فالعمارة كما يراها مارتن لوثر هى سجل لعقائد المجتمعات والشعوب ويقول عنها فيكتور هوجو هى المرآة التى تنعكس عليها ثقافات الشعوب ونهضتها وتطورها ومعنى ذلك أن العمارة هى صورة للمجتمع .

 

عرب أم فراعنة ؟ طراز فرعوني أم طراز إسلامي ؟

سجال لم ينته منذ عقود ولكن يتجلى منه ربط الهوية المعمارية بهوية الشخصية الوطنية مع فوضى في استخدام المصطلحات.

وربما لو دققنا في معنى المصطلح وأعدنا صياغة السؤال لظهرت الإجابة تلقائيًا، يجب أولا أن نحدد ما المقصود بكلمة عرب هل المقصود أن بعدنا الحضاري يرجع أصوله إلى شبه الجزيرة العربية واليمن تحديدًا أي عرب بالمعنى الإثني للكلمة أم المقصود أننا شعب يتحدث اللغة العربية .ردًا على الفرضية الأولى يكفى أن أذكر أن تاريخ بناء سد مأرب الذي نزحت على إثر انهياره القبائل اليمنية إلى مختلف أنحاء شبه الجزيرة العربية كان في القرن السابع قبل الميلاد أي بعد بناء أهرامات الجيزة بحوالى ثمانية عشر قرنًا، فقد بُنيت الأهرامات في القرن الخامس والعشرين قبل الميلاد . لذا لا يمكن أن نكون عربا من المنظور العرقي للكلمة ،أما اذا كان المقصود أننا عرب من زاوية اننا شعبٌ يتحدث العربية لجاز لنا أن نقول على الشعب الجزائري فرنسيين أو أن نَصف الشعب الاسترالي بالإنجليز .

عندما دخل عمرو ابن العاص مصر لم ينتقل من الحضارة العربية سواء من الثقافة أو العمارة أو العمران سوى اللغة التي دخلت مع دخول الاسلام فاقترانها كان بالدين وليس تأثرًا بالثقافة العربية التي لم تنتقل أصلا حتى يومنا هذا ،فالأدق أن نقول أننا مصريون نتحدث اللغة العربية وبما أن عمرو بن العاص لم يأت بشعب إسلامي إستوطن مصر بل إن المصريين هم من اعتنقوا الدين الإسلامي فنحن «مصريون» نتحدث اللغة العربية ويتخذ معظمنا الدين الاسلامي ديانة، وقد تعرض الأديب السوداني عبد العزيز بركة ساكن لتلك الجدلية في روايته مخيلة الخندريس حين عرف نفسه قائلاً أنه ليس كاتباً عربياً بل كاتب سوداني يكتب بالعربية.

أما كوننا فراعنة ففي حقيقة الأمر أن الفراعنة هي طبقة الحكم وصاحبة الديانة فالفرعون يشابه القيصر في الحضارة الرومانية والتي لم نسمع قط أنها تدعى الحضارة القيصرية ولذلك فإن حضارة مصر القديمة يمكن أن تسمى الحضارة المصرية ذات المعتقد الفرعوني .

أما فيما يتعلق بالطرز فيبدو الخلط واضحا بين الطراز والطابع فالطراز المعماري له محددات وعناصر وقدر من الفردات التي لا يمكن الخروج عنها ،فهناك طرز فرعونية مختلفة ،فطراز معبد زوسر يختلف عن طراز معبد الكرنك والإثنان يختلفان كليا عن طراز معبد حتشبسوت ،ولكن كل هذه الطرز تحمل الطابع الفرعوني لاعتمادها على مفردات متشابهة

واذا افترضنا أن هناك ما يسمى بالطراز الإسلامي لوجدنا المساجد في كل أنحاء العالم الإسلامي تحمل نفس الطراز وهذا غير صحيح فهم مشتركون كونهم مبان دينية إسلامية لكن المفردات المتباينة لكل منهم مستمدة من الموروث الحضاري للمكان، فهناك طراز مملوكي وطراز أيوبي وطراز فاطمي جميعهم يحمل الطابع الإسلامي المستمد من بعض العناصر والمفردات ،فالمفردات المعمارية هي التي تخلق الطابع في إطار الطراز .

 

التراث والتقليد

الفرق بين التراث والتقليد أن التراث ماهو إلا تقليد لم يعد مستخدما سواء كان حرفة أو لغة أو نمط من أنماط الحياة فعندما يموت التقليد يصبح تراثًا لذا لا نستطيع أن نقول إحياء العمارة الفرعونية ولكن إحياء الطابع الفرعوني، والسؤال المطروح فيما يخص الهوية الحالية ما الذي سنستحضره من الموروث والذي سوف نحافظ عليه من التقليد وهل التقليد يتعارض أم يتماشى مع احتياجاتنا العصرية ؟

يمكن أن نستعيد من الموروث ملامح في صورة مفردات نغذي بها الطرز الحديثة المتلائمة مع احتياجاتنا العصرية فأضيف لكل ما هو عصري بعدا حضاريا فيما يعرف ببصمة الهوية، يقول بوراسا «إن هويات الجماعات الثقافية يمكن تحقيقها رمزيًا فلا توجد ثقافة دون نظام للرموز لتمثيل هذه الثقافة، والثقافة لا تسعى إلى تأكيد فقط في الأشكال الرمزية لكنها تسعى للحفاظ على نفسها عبر هذه الأشكال «.ففطرة الانسان مبنية على بناء علاقات قوية مع ما يحيط به من أشكال فكلما كان الشكل معبرًا عن الشخص أي مرتبطًا بمعتقداته وقيمه وأعرافه كلما أصبح جزءا من الذاكرة الجماعية المحلية وأصبح قادرا على الاستمرار عبر الزمن .وهذا يفسر لنا أن المعابد التي شُيدت في مصر على الطراز البطلمي وهو مزيج مابين الحضارة الإغريقية والحضارة المصرية لم تتكرر أو تستمر لأنها مفتعلة ولا تعبر حقيقة عن هوية المصريين .

عندما دخل المسلمون مصر وجدوا الطرز الفرعونية المختلفة والطراز البطلمي ونوعين من العمارة المسيحية (فجر المسيحية والقسطنطينية ) ، أخذوا القبة من الطراز القسطنطيني والأعمدة من الطرز الفرعونية والرومانية وفكرة المأذنة من أبراج الكنائس ،لكن الفنان المصري المسلم عبر عن الإسلام بثقافته المصرية ، فعلى سبيل المثال لا الحصر قد دأب المصري على زخرفة جدران المعابد ولم يتنازل عن هذه الثقافة بسبب تحريم الاسلام للتصوير لكنه استبدلها بالزخارف الهندسية والتحورات النباتية والخط وأبدع فيهم بشكل استثنائي، فقد أوجد لنفسه نظما ومفردات تتماشى مع كونه مسلما «مصريا». لذا كانت أكثر الطرز استمرارا في مصر هو الطراز المملوكي لأنه اعتمد بنسبة عالية على الموروث الثقافي المصري، وللسبب المقابل لم يتكرر نمط جامع محمد على في مصر لأنه منقول من جامع آيا صوفيا (كنيسة آيا صوفيا سابقا) التي تعد من أبرز الأمثلة على العمارة البيزنطية والزخرفة العثمانية، وكذلك مأذنة أحمد ابن طولون المأخوذ من ملوية سامراء في العراق لأن كليهما ليس له علاقة بالثقافة المصرية رغم أنهما مبان إسلامية .

فقد أثر التراث الفرعوني في الثقافة الإسلامية وانعكس هذا التأثير في الشخصية المعمارية الإسلامية ، ونجد ذلك واضحًا في العمارة الحربية فأسوار بوابات القاهرة تشبه إلى حد بعيد صرح المعبد الفرعوني، فما تم إنتاجه من مبان في العصور الإسلامية كانت مقبولة على مستوى الثقافة المصرية، ربما لتشابه المضمون الإسلامي مع المعتقد الفرعوني ففكرة الحياة الأخرى والحساب والثواب والعقاب كلها أفكار متأصلة عند المصريين كما أن فكرة التوحيد لم تكن غريبة عليهم فقد اعتنقوها في عهد امنحوتب الرابع ، فالمعتقدات الرئيسية لم تكن مختلفة بل إن مفهوم التساوي وهو أحد الاختلافات الجوهرية قد أضاف شعورا بالرضى من العامة بتساويهم مع الفرعون أو الحاكم أو أيا كانت السلطة ، وانتقالا إلى مردود التغير عمرانيا ومعماريا، تقافيا وتعبيريا، فإن الحضارة المصرية وقت إزدهار الدولة الإسلامية في العالم سواء كانت مصر دولة مستقلة تماما في فترات انفصالها عن الخلافة العباسية أو في فترات وجود دول قوية بعد الحروب كالدولة المملوكية والأيوبية أو حتى في فترات وجود الخلافة في مصر كالدولة الفاطمية، كانت تلك الحضارة هي حضارة مصرية خالصة اختلفت تماما عن حضارات الدول الإسلامية الأخرى فمثلا العمارة الإسلامية في إيران تعبر عن حضارة فارسية خالصة تتشابه فيها العناصر المعمارية وتختلف مفردات التعبير، تختلف النسب وبالتالي تختلف الصورة تماما، لذا فبيت القصيد هو أن شكل العمارة وشكل العمران، صورة الحضارة تغيرت في مصر فقط عند تغير المعتقد لكن كلا الحضارتين قد بنيت بسواعد مصرية وبفكر مصري، ولأن الدولة المصرية القديمة كانت كهنوتية فإن الغوص في بحور العقيدة وتسخير وسائل التعبير في خدمة العقيدة كان من مهارات الشعب المصري على اختلاف مستوياته الفكرية، فبدلا من استخدام المسلة كرمز للانتقال من الأرض للسماء ظهرت المأذنة كوسلية نشر الدعوة للصلاة من أعلى لأسفل وجاءت عرائس المسجد لتشير إلى تعشيق الأرض بالسماء تلك هي العقلية المصرية، فما وجده المصريون من اختلافات جعلهم يخلقون صيغة مناسبة يحافظون بها على ثقافتهم الموروثة في ظل معطيات الدين الجديد، فالمصريون استطاعوا تغيير التفصيلة باستخدام نفس القماش لكنهم لم يستبدلوه بقماش آخر.

 

قاهرة الخديوي

مع دخول مصر تحت مظلة الدولة العثمانية في بدايات القرن السادس عشر ،لم تقل أهمية المعتقد أو هيمنته في تشكيل الهوية الثقافية المصرية ، لكن كانت السلطة العليا ( الباب العالي) تنظر إلى مصر كمصدر للثروات والمهارات متجاهلة تماما موروث مصر الثقافي، فمرت البلاد بعدة قرون من الخفوت كحضارة مؤثرة في المنطقة والعالم حتي بدأت مرحلة جديدة من التغيير مع بداية القرن التاسع عشر تزامنًا مع تولى محمد على الكبير حكم مصر وتعد تلك المرحلة من أهم المراحل الانتقالية في تاريخ الشخصية المصرية ، فقد بدأ بتغيير المؤسسة المهيمنة من المؤسسة الدينية إلى المؤسسة العسكرية وكان هذا أول تحول وبعد أقل من نصف قرن استطاعت أسرة محمد على تغييرالدور التاريخي لمصر منذ فجر التاريخ، فدائما وأبدا كانت مصر مصدرا للضوء في جميع المجالات حتى تحولت مع فكرة التحديث إلى لعب دور المتلقي المظلم وهذا التغيير هو الذي أوجد ما يعرف بقاهرة الخديوي والتي تعتبر ترجمة للتغيير الذي أصاب الشخصية المصرية لأن هذه المرة تم استيراد ثقافة بجنباتها من سلوك ولغة ووسائل تعبير ربما لم تمتد وتتوسع لكنها وُجدت ولا يمكن تجاهل تأثيرها في المسار الزمني للشخصية المصرية ويعتبر هذا هو التحول الثاني .

 

باريس الشرق

وسط البلد ،مركز المدينة ،تخطيط شعاعي ،باريس الشرق ..هكذا كان حلم الخديوي اسماعيل في أن تصبح القاهرة باريس الشرق ، وهنا فتحت البلاد أبوابا على مصراعيها للثقافة الأوروبية الطعام ،الملابس،الأدب وأخيرا العمارة حيث وُجدت في القاهرة في مركز المدينة تقريبا كافة الطرز ومدارس التعبير التي كانت موجودة في أوروبا خلال منتصف القرن التاسع عشر والتي لم تؤثر فقط على مركز المدينة ولكن على المناطق المحيطة بها أيضا، وأعطت نواة للعمارة والعمران ساعدت على أن تواكب العمارة المصرية العمارة الأوروبية، وبرغم أن كتاب «باريس على النيل « يصف هذه الفترة أنها أكثر فترات مصر ثراءا في العمارة والعمران إلا أني أرى أن استيراد مفردات كاملة لثقافة ما لا يدل إلا على فقدان ملامح الهوية الثقافية الوطنية .

إن «المصريّ» لم يكن يوما مشوشا فيما يخص ملامح هويته الثقافية ،وكان خير من عبر عنها في الفنون المختلفة ولا سيما العمارة التي رصدت كيف يعنى المصري بالمحافظة على هويته الثقافية عن طريق تطويعها لتتناسب مع المعطيات المتجددة دوما ضمن مراحل التطور المختلفة والعصور المتباينة التي مرت عليه ، فهو لم يطمسها ولم يستبدلها وكانت هي الأصل الذي صاغه بما يلائم ما يتأثر به من حديث وما يطرأ على ثقافته من وارد يتبناه ليفرز لنا منتجا «مصريا» في ثوب يناسب عصره ، وقد أدهشنا هذا المصري بقدرته على لفظ كل ما لا يعبر عنه أو يمثله وإن كان بديعا ، وحساسيته تجاه كل ما هو مفتعل بفعل ظروف سياسية لأنظمة حكم مختلفة توالت عليه فلم يعلق بذاكرته إلا كل ما شعر أنه يشبه ملامحه، فكانت هويته الثقافية مُعَرَّفة وواضحة صاغها بأشكال مختلفة تعبيرا عن تفاعلها الإنساني والحضاري.

أما ما نراه الآن هو حالة من الفوضى المعمارية و دليل واضح على فقدان ملامح ومحددات الشخصية الثقافية الوطنية، فأصبحت المدينة خلفية لصورة هوية لم تحدد بعد ،وأصبحت العمارة صماء فاقدة لكل وسائل تفاعلها مع المستخدم ،يجب أن نبدأ في تحديد الملامح الثقافية للشخصية المصرية من هى الآن وما الذي يعبر عنها ، ما هي نسبة الموروث داخلها وما هو قدر المدخل من الثقافات الغربية، ماهى رسالة الدولة التي يجب أن تنعكس في مبانيها الحكومية ، يجب أن نحدد الإجابات على كل تلك الأسئلة قبل البدء في أية مشروعات عمرانية جديدة حتي لا نصيب الشخصية المصرية بمزيد من التشوه وفقدان الملامح الذي حتما سينعكس على الحياة الاجتماعية من سلوك فوضوي ويؤثر على الحالة الشعورية فيفرز فنا عبثيا مشوها فاقدا للرؤية والهدف والرسالة ،

إن الفوضى العمرانية كما تبدو عشوائية الاتجاه والطابع إلا أنها خلفية محايدة لأي توجه واضح تتبنى فيه الدولة نموذجا يعبر عن شخصيتها ويؤمن بتلك الشخصية المبدعون فيعبروا عنها إبداعياً فتعبر الموسيقى عما يعبر عنه الفن التشكيلي وتعكس العمارة مخلوط الفن كتعبير شعوري والتصميم كتعبير فكري تلك الشخصية، فلم يفت الآوان بعد لقيام الدولة بتحديد رسالتها ولم ينضب العقل المصري بعد عن ضخ منتجه الإبداعي والعصري.

المصدر: الأهرام – سارة السباعي

زها حديد وبانوراما معركة الطف!

كتبت نوال الجنابي:

قرأت موضوعا على احدى المواقع العراقية في النت اثار استغرابي وغير نظرتي نحو المهندسة المعمارية زها حديد التي كنت اتفاخر بها في كل مجلس احضره واتكلم عن انجازاتها لانها رفعت اسم العراق بجهودها وتصاميمها الرائعة في معظم بلدان العالم . الموضوع كان حول ابداء المهندسة المعمارية زها حديد تعاطفها واستعدادها للمشاركة بتنفيذ مشروع بانوراما معركة الطف الذي تنوي تنفيذه العتبة الحسينية المقدسة في مدينة كربلاء وهو مشروع ضخم سيشارك به نخبة من المهندسين المعماريين المعروفين في العالم ويكلف تنفيذ هذا المشروع مليارات الدولارات، لا اعرف مدى صحة الخبر ولكن حسب ما موضح في الخبر ان تصاميم المشروع جاهزة ووضعها النحات العراقي علاء ضياء الدين مسؤول متحف الامام الحسين عليه السلام وهذا يعني ان المشروع حقيقة واقعة ستنفذ قريبا وهذا المهم في الموضوع، مشروع يصرف عليه مليارات الدولارات ليعرض معركة الطف واستشهاد الامام الحسين عليه السلام ومن معه والذي كان عددهم السبعين او اكثر بقليل، الم تفكر العتبة الحسينية المقدسة ومن ورائها بأن هناك اسر عراقية في معظم مدن العراق وبالخصوص كربلاء يسكنون بيوت من الصفيح او الطين وشوارع المدن مليئة بالنفايات والحواجز الكونكريتية واسلاك المولدات وغيرها من وضع سئ،

اما كان من الاجدر ان تصرف هذه المليارات لتحسين وضع ملايين من الشعب العراقي ولو بجزء بسيط، والله لو الامام الحسين عليه السلام حاضر الان لما وافقكم على ذلك ولقال لكم (أتزينون مدنكم بدمي ودماء ابنائي ومن معي)، الا يكفيكم مايصرف من اموال على المواكب والمجالس الدينية وعلى مدار السنة ، متى تصحى ضمائركم وتتقون الله فيما تعملون ، ان الامام الحسين عليه السلام لا يريد منكم ان تبكوه و تخلدوه بنصب او تذكار او بانوراما لان الموت حق و التاريخ سبقكم بتخليده والكل يعرف ذلك . نعود الى المهندسة المعمارية العراقية زها حديد لاقول لها مع فائق احترامي وتقديري هل زرت العراق مؤخرا ,هل قرأ ِت او شاهدت في التلفاز اخبار العراق وما يحصل فيه من انفجارات وارهاب وقتل وتمثيل بجثث ناس ابرياء من بداية الاحتلال و لحد الان الا تعلمين ان بلدك يحتضر الا يستحق العراق ان يقوم ابنائه بتقديم خدمة ولو بسيطه لانعاشه، الايتام والارامل بالملايين دون مأوى الا يستحقوا وقفة انسانية ممن لهم المقدرة على ذلك

ليس اعتراضي على تنفيذ مشروع كهذا بالعكس اتمنى ان يزهو العراق بنُصب وبانورامات وبناء معماري جميل ولكن هناك ماهو اهم الان وهو النهوض بالعراق واستقراره واستعادة عافيته.

المصدر: 1

الاستشراق في فن القرن التاسع عشر

ترجمة : د. عدنان عويّد
عنوان المقال الأصلي:  Orientalism in Nineteenth-Century Art – المصدر في نهاية المقال

يضم الشرق هذه الأيام ( من وجهة نظر غربية) كلاً من تركيا واليونان والشرق الأوسط وأفريقيا. هذا وقد مارس الشرق إغراءه وتأثيره على الفنانين الغربيين لقرون قضت, ولكن أهم هذه القرون في التأثير هو القرن التاسع عشر. فملابس أوسطيين الشرق نجدها قد تجلت واضحة في أعمال فناني كل من عصر النهضة الأوربي, والعصر “الباروكي” منذ القرن السابع, مثل أعمال الفنان ” يليني” و” وفيرنز” و” رامبرانت”, وبخاصة الفن المتعلق بالمشهد النسوي الحرملكي, والزخرفة, التي تأثر بها الفن الفرنسي في القرن الثامن عشر, المعروف بـ (FRECH ROCOCO AESTHOTIC)

على أية حال, قبل القرن التاسع عشر كان ارتباط الأوربيين أو علاقاتهم بالشرق قليلة, وعادة ما كانت هذه العلاقة تجري تحت مظلة التجارة, والحملات العسكرية المتقطعة, إلى أن قامت الحملة الفرنسية عام/1798/, بقيادة نابليون بونابرت, لغزو مصر واحتلالها حتى عام /1801/, الأمر الذي جعل من الحضور الأوربي في مصر والشرق عموماً يشكل فيما بعد, عامل جذب للرحالة الغربيين.

إن العديد ممن أغراهم الشرق وانجذبوا إليه, تجلى هذا الانجذاب والإغراء في انطباعاتهم التي تجسدت أعمالاً فنية (لوحات رسم), أو ما تركوه من مطبوعات.

ففي عام /1809/ طبعت الحكومة الفرنسية أول مجلد من المجلدات الأربعة والعشرين التي تضمنت وصف مصر من الناحية الطبوغرافية,  وفن العمارة, والآثار, والحياة الطبيعية, ونمط حياة السكان… الخ .

إن مجلدات وصف مصر إياها, كان لها التأثير الكبير على العديد من الأعمال التي هدفت إلى توثيق ثقافة المنطقة, مثلما كان لها عميق الأثر أيضاً عن فن العمارة والزخرفة في فرنسا, هذا إضافة إلى بروز سطوة الأفكار المصرية على الطراز الإمبراطوري الفرنسي ذاته .

مع بداية القرن التاسع عشر أراد بعض الفنانين (الرسامين) ومن باب الدعاية لدعم الإمبراطورية الفرنسية في احتلالها لبعض مناطق الشرق, تصوير الشرق كمنطقة برابرة, تزخر بالتخلف, فهدف الفرنسيون من سيطرتهم عليها العمل على تنويرها وتطويرها, كما فعل الرسام ” جرين كروز” / 1771- 1835/, تلميذ الرسام ومؤرخ المرحلة النابليونية “جيكوز لويس دافيد”, وهو – أي كروز- الذي لم يسافر بحياته إلى الشرق الأوسط, ومع ذلك كانت أعماله في متحف اللوفر الباريسي, ُتظهر بشكل فاقع وضع العمارة الشرقية وشخصيات الشرق في هيئات مزرية.

إن الأعمال الدعائية هذه, تجلت أيضاً في أعمال “فيوجن ديلاك روكس” مؤسس الحركة الرومانتيكية, حيث تبنى وركز بشكل غير منطقي في أعماله على المواضيع التي تناولت مسائل العنف والقسوة في حياة الشرق. يضاف إلى هؤلاء الكثير أيضاً من الأدباء والفنانين الذين جسدوا مثل هذه الأعمال المسيئة للشرق وبشكل متخيل, في كتابات وأعمال أخذت طابعاً رومنتيكياً, جياشاً بالعواطف الإنسانية, وهي تصور مثلاً حروباً وأعمال تدميرية حدثت في الشرق على غاية من القسوة وبدوافع عاطفية غير إنسانية. ولكن في المقابل نجد بعض الفنانين ممن اشتغل في أعماله وشكل انطباعاته عن الشرق, إلى المطبوعات الموثقة, كما هو الحال بالنسبة للمطبوعات التي تم فيها توصيف مصر بعد حملة نابليون بونابرت كما أشرنا سابقاً, أو إلى أدب الرحلات, أو أن قام المهتم بإجراء زيارات خاصة إلى الشرق بنفسه.

إن صيغة الفن الشائع لدى الفنانين الغربيين الذين اهتموا بالشرق, كثيراً ما تُبرز التجربة المباشرة للحياة اليومية في المدن والمستعمرات, وغالباً ما تُصورهذه التجارب المباشرة على شكل نشاطات يومية روتينية لحياة مواطني الشرق يمارسونها في أوقات فراغهم. كما تجلى ذلك واضحاً في لوحة الفنان ” شارلز بارج” ,/ 1825- 1883 / وغيره من الفنانين الغربيين المجايلين له, أو حتى من بعض الفنانين المعاصرين الذين قدموا بدورهم أعمالاً عن الشرق  صورت وبشكل هادئ, الحياة المنزلية اليومية, والأمومة, والحياة العسكرية, وتقوى المؤمنين كما شاهدوها في الجوامع.

لقد استطاع الشرق أيضاً وبشكل عرضي, فرض نفسه كخلفية إيحائية لأعمال رجال الدين الغربيين في كتاباتهم عن المسيحية, وهذه المقاربة الدينية مع الشرق, استؤنفت أيضاً وبشكل خاص مع الفنانين الانكليز, من حيث استخدامهم التفاصيل الفنية والذوقية في الأسلوب الشرقي في  أعمالهم, مع حفاظهم على ضرورات البروتستانتية بشكل واضح, وبخاصة الولاء لجوهر الفن المسيحي عند تشكيل أو رسم الأيقونات.

أما بالنسبة لمسألة “الحرملك” الشرقي في الفن الغربي, فهناك قلة من الفنانين الغربيين الذي صورا مشاهده بالرغم من أنهم لم يدخلوا سراي الحريم الأصلي, وإنما اعتمدوا في الغالب على الإشاعات والتخيلات التي مصدرها السكان المحليين, وهؤلاء السكان بشكل عام كثيراً ما يبالغون في وصفهم للظواهر أو المشاهد التي تعرض عليهم, أو يسمعون بها من غيرهم, لذلك كثيراً ما استمد الفنانون الغربيون مشاهد الحرملك, وبخاصة سلوكيات النساء والعبيد من النساء, وجاريات الملك, وهن مستلقيات  عاريات, أو بالثياب الشرقية, من السكان العاديين الذين لم يتسن لهم دخول الحرملك والإطلاع على أسراره. وهذا ما فعله الفنان ” اوغست دومينيك أنغري” الذي لم يسافر أبداً إلى الشرق, غير أنه استخدم مشاهد الحرملك, من خلال استحضاره إحساس الثقافة والجمال الشرقيين, مشبعاً برغبة انعزالية يطمح إليها العديد من الفنانين الغربيين .

عموماً إن نكهة الاستشراق, ُتعزز وُتظهر نفسها في أفكار وأسلوب العمارة, والأثاث, وفن الديكور, والنسيج, التي كانت محط رغبة متزايدة فيما بعد لدى نخبة من الأوربيين .

إن مؤسسي الحركات الجمالية في بريطانيا العظمى, /1860- 1880/, أيدوا ودعموا بالإجماع مثل هذه البصمات الجمالية الشرقية, لقناعتهم بها, وقد قيموا هذه البصمات ذاتها فنياً برضى فائق, وشكلت عندهم محط إلهام. ووجدوا أن هذا الذوق أو النكهة الشرقية تجسدت من الناحية العملية في القصور العربية. الأمر الذي دفع بعض الفنانين أو المهتمين الأوربيين بهذا الفن الشرقي, كما هو الحال لدى الفنان ” فريدريك ليفن” ما بين /1877- 1879/, أن زين منزله في لندن وبشكل متألق جداً بالموزاييك الشرقي (الأربيسك ) الرصين, الذي جمعه من خلال رحلاته إلى الشرق, ووظفه في مكان واحد هو منزله, تقليداً للحالة الجمالية التي جسدها الأثاث الشرقي ذاته في القصر العربي .

إن سطوة الخيال الشرقي, استمرت تضيف للعديد من الفنانين الغربيين في القرن العشرين, أمثال : ( أوغست رينوار – هنري ماتيز – بول كلي – اسكلي كان ديسكي – أوغست ماكا – وأسكار كيكوستشكا),  مواضيع جديدة عن الشرق.

المصدر: 1، 2

المحطة العالمية، وشجون التلاقح المعماري!

كتب الدكتور علي ثويني:

يمكن أن تكون المحطة العالمية في منطقة العلاوي ، من أكثر معالم بغداد دلالة وحضور، فقد أبهرتنا أجيال بعد أجيال، ونتذكر أنها كانت حتى نهاية عقد الستينات تقبع في خلاء الأرض وطرف المدينة ،و يشاهد من تخومها أفق يمتد حتى كرادة مريم، وكانت قبتها ومنارتيها شاخصان سامقان يوحيان بدخول بغداد قبل توسعاتها.

كان يراد لموقعها الطرفي في بدايات القرن العشرين أن تكون بؤرة لنسيج حضري لاحق، لكن خطة دوكسياديس الإنفجارية في الخمسينات جعلتها وسطية. ويدخل المعلم ضمن سياق التسابق للمصالح العالمية للوصول لمكامن الثراء في الشرق وأريد له أن يربط أوربا بالهند،ضمن مشروع سكة حديد برلين- بغداد عام 1908 وفي خضم المنافسة بين الألمان و الإنكليز والفرنسيين .وتوقف المشروع أثناء الحربين العالميتين ،وتسنى له أن يصل البصرة تباعا، ومشروع إقامة تلك المحطة بدأ في ثلاثيات القرن المنصرم تماشيا مع خطة تطوير النقل القاري التي شهدها العالم.وأختير الموقع على أن يتكامل وظيفيا مع (مطار المثنى) المتاخم،الذي كان مطار بغداد المدني الوحيد ويقع خارجها حتى بواكير سبعينات القرن المنصرم. وقد أنفصلا تباعا بعد أن فتح الزعيم عبدالكريم قاسم الشارع الرابط بين العلاوي والكاظمية عام 1961، موازيا للطريق الوارث لخط الكاري المخترق لبساتين العطيفية والشالجية.

وبالرغم من الحداثة النسبية لمباني محطات القطار منذ بواكيرالقرن التاسع عشر، لكنها تصاعد دورها لتشكل تباعا من أكثر مباني المدن وجاهة ودلالة،حتى عرفت المدن بمحطاتها وتبارت فيما بينها ، فلا يمكن أن تذكر مدن مثل باريس ولندن وميلانو وفيينا إلا من خلال محطات قطاراتها. وأمسى ذلك المعلم بؤر مدينية و مكان وسطي تلتقي عنده الطرق، وأزدحم محيطها بالمرافق الحيوية التي تقرب للزائر أغراضه كي لايبعد باحثا. وأمست تلك الصروح وبرج الساعة عند مداخلها مكان التلاقي ومضرب المواعيد،وأمست الساعة البرجية إحدى دالاتها كما في المحطة العالمية.

بيد أن المحطة البغدادية مكثت معزولة ولم يتطور محيطها الحضري ، بالرغم من إختيارها على تخوم الكرخ الذي شكى من  شحة عمرانه وقلة ساكنيه مقارنة بالرصافة.و الأرض التي تمر عليها قضبان الحديد تخبأ في باطنها مدينة السلام العباسية المدورة التي بناها أبو جعفر عام 762م،وربما جاء أسم (الكرخ)من هيئتها المدوره (جرخ)،وهي مفردة أرامية .فهذا المكان هو أصل بغداد الأول قبل إنطلاق أرباضها اللاحق. و شكل الموقع  تخوم المدينة الإسلامية وأختص بجباناتها، وأحتفظ المكان بمقبرة الكرخ(الشيخ معروف) التي أعاقت المخطط حتى اليوم.

و أنجز مبنى المحطة بين أعوام (1947-1951)، والطراز العام للمبنى جاء مهاجنا بين طرز شتى غلبت عليها العناصر الإنكليزية للحقبة الفكتورية المتأخرة مع بوادر الحداثة التي أنطلقت بقوة بعد الحرب الثانية كخيار غالب حتى عند الإنكليز المحافظين. و نرصد نجاح معمارها ويلسون ج.م. Wilson G.M (1887-1965م) ، في إضفاء سمات محلية من خلال خامة الطابوق. وقد وظف قبة كروية مقطوعة(طاسة)،و منخفضة نسبيا  وغطى بها البهو الرئيس.وهذا العنصر الأزرق الفيروزي وهب المبنى سمة محلية ،بما تتواشج مع السماء والمقدس في رمزيتها ،وتعد إنشائيا من أمهات المنتج العراقي الدهري مثلما عنصري العقد والطاق.

لقد عمل المعمار ويلسون  في الإدارات الإنكليزية في الهند قبل مجيئه للعراق مثقلا بالتجربة والأحلام، بعيد مشاركته في تخطيط مدينة نيودلهي جنوب (دهلي) الإسلامية عام 1920. وقد عمل في بغداد ضمن حقبة الانتداب البريطاني(1915-1932م) ،وشارك مساعدا للسير آدوين ليتوين في نيودلهي ،فتأثر بمنهجه العمراني والمعماري المشرأب للتراث.وقد أستفاد من الطرق البنائية والخبرات المحلية(أسطوات الحرفة) ولاقح العمارة العراقية مع  الكلاسيكية الجديدة الإنكليزية التي تهاجنها خامة الطابوق ، وربما تأثر الإنكليز بالهنود الذي تتجذر فنون الطابوق عندهم منذ (موهانجو دارو 2100ق.م) السومرية في السند. وهنا نسجل اعتماد ويلسون على الأسطه حمودي العزاوي- الكظماوي صاحب المناقب البنائية. وقد ألتقينا أحد من مكث من بناتها وهو الأسطه عبود حمود الكناني، الذي يتذكر كيف نفذ (الجف قيم) على واجهاتها.

وكان ويلسون قد شغل  منصب أول مدير للأشغال العامة في العراق بعد تأسيس الدولة العراقية 1921، قبل أن يحل أحمد المختار ، وتجسد خطه بناية جامعة أهل البيت(1922-1925) بالأعظمية. وتتصف أعماله على العموم بالوظيفية والتناظر التام ومحورية لتكريسه مع صرحية مقصودة. وعادة ما كان يرفع في المحور شاخص صرحي كالقبة،ويسبق المداخل رواق باسق. وأكتنفت أعماله تفاصيل و ريازة  الآجر في الاطناف والمقرنصات. ونجده على الورق في مخطط قصر الملك فيصل الأول (1927) الذي أهمل فيما بعد.

وقد أقترن أسم  ويلسون بزميله مايسون هـ .س  Maison H.S (1892-1960)،حيث نفذا عدة مشاريع مشتركة بقى بعضها قائما مثل: المستشفى التذكاري للجنرال مود في البصرة 1921، والبلاط الملكي في بغداد 1923 والذي لم يبق منه أثر اليوم ،وكنيسة سان جورج 1926، ومقر قيادة القوة البحرية في البصرة 1929 ومطار البصرة 1931 ، وبناية البريد والبرق 1929، وكذلك مطار بغداد (المثنى) 1931 ، والقصر الملكي في الحارثية 1933.  وأختلف مايسون عن زميله  ويلسون معمار المحطة العالمية بعدم إكتراثه بالعمارة التراثية وغضاضة في التوجيه البيئي. و كرس على خلاف ويلسوم  النمط الإنكليزي المحض في البناء المتضام و معالجة الواجهات بالأعمدة والسقوف الجمالية المنحدرة.

ولم تشذ المحطة العالمية عن تخطيطات ويلسون المتناظرة،فمدخله خيلائي تتصاعد به الأساطين(الدلكات) الثمانية لأربعة طوابق، بما ندعوه اليوم(دبل فوليوم)،ويقبع خلفها بهو واسع  وأجنحة على جهتيها موزعة على ثلاثة طوابق. وقد رام ويلسوم أن ينبر المدخل مستوحيا البوابة(الدروازه)  من الأعراف المحلية ، وذلك من خلال رفع حجمه عن حجم البناء العام، وإرساء برجين تقليديين على جانبية يتدرجان في الحجم حتى نهايات أخدودية أصغر حجما، وإضفاء شرفتين شكليتين على جانبيه. وهذا العنصر  قادم من الكلاسيكية الجديدة الإنكليزية الذي ظهر في أواخر القرن التاسع عشر وأمتد حتى الحرب الثانية وأقنص بعض عناصر الطراز القوطي Gothicالمتأخر،ووظف بحسب طبيعة المعلم  ،فسيان بين المداخن كما في محطة توليد الكهرباء على التايمز التي أمست اليوم متحف الفن الحديث (Tate museum)، أو أن تكون برج ساعة في مباني البلديات والإدارات والمحطات أو صومعة النواقيس أو وبرج الكنيسة، وجميعها هيئات شاقولية تشق رتابة خط سماء المدينة الإنكليزية.

وعلى العموم فإن إستلهام الطراز البنائي المحلي في الحداثة دعاه الفرنسيون  (الارابزانس Arabisance). وكنيّ الحداثة أو الحداثة الكلاسيكية،أو (العقلانية المحلية )، بما وسم بالربط العضوي الوظيفي لاجزاء  البناء مع محيطه الحضري. وقد شاع ذلك الطراز كحركة تجديد و إحياء من داخل العمائر المحلية. واستعمل الأشكال الموروثة في المعالجة المعمارية ،وأهتم بالجانب النسبي والحجمي واللوني واضفيت كاسرات الضل، وتراكب الحجوم لتنبير لعبة الظل والنور. واستخدمت مواد البناء الحديثة التي تتوائم مع الأشكال المعمارية المنظورة وكذلك التأكيد على الكفاءة البيئية لتلك المواد لتكون صنواً لمواد العمارة المحلية.  وقد استحداث الهياكل الحديدية في التسقيف(الشيلمان) ذات المقطع حرف (I) ، بدلاعن الخشب. وذلك منذ قبيل الحرب الأولى، من طرف الألمان ضمن مشروع السكة.

ويمكن أن يكون مبنى محطة بغداد علامة لطراز لم يستمر تداوله لا في بلد المنشأ ولا الفرع العراقي. حيث أن ثمة صراع نشأ بين الحداثة الإختزالية والكلاسيكية الجديدة التزويقية، وتصاعد الصراع في عقدي العشرينات والثلاثينات ، وأستمر حتى نهاية الحرب الثانية ،حينما غلبت كفة  الحداثة وشاع الطراز العالمي في العراق،  تقليدا لما حصل في أوربا التي خربت مدنها الحرب و أملت عليها إعادة هيكلة المدن أن تسلك طريق التسريع بالإنجاز الذي توفره الحداثة. لكن الحداثة لدينا تمادت وأمست  منفلته.فقد شطح جل من شارك خلال جيلين مؤسسين وأكثر من المعماريين مثل أحمد مختار(1907-1960)، ومدحت علي مظلوم (1913-1973) وجعفر علاوي (م:1915)  و محمد صالح مكية (م:1914) ثم الثاني الذي يمثله  الجادرجي(1926) و هشام منير (م:1930) و عبدلله إحسان كامل (م: 1919) وقحطان عوني (1926-1972) وقحطان المدفعي (م:1927)، ثم تلتها أجيال لاحقة أشاعت تداول خامة الخرسانة على حساب الطابوق الطيني، وأختارت التخطيط المتضام المغلق، الذي يتضارب مع وخمة العراق وحاجة الفضاءات الى ترويح.واليوم  ندفع ثمن حداثتنا التي لم تتوائم مع ظروفنا البيئية،بل كانت تخص لندن وليفربول،و التي لن تطأ درجات  الحرارة بها 40 درجة والمطر بها دائم، فشتان بينها وبين بغداد.لقد كانت حداثتنا في الفكر والعمارة صنو لحداثة الغرب ، وما معاناة الناس اليوم مع إنقطاع الكهرباء لهو نتاج لها،فبيوت مكتومة لانسمة تنعشها ولا حوش وشذروان ينديها، ولا بادكير يهويها إلا طامة حكمت تلك الشطحة المعمارية.

المصدر: 1

الهوية أم الخصوصية المعمارية؟! المعمار موفق الطائي

موفق جواد الطائي  معمار وأكاديمي

كتب الطائي – نحاول في عرضنا هذا  معرفة ماهية خصوصية العمارة لاجل الوصول الى الهوية المعمارية.

من نافلة القول أن ليس كل بناء عمارة . وانما عدد من هذه  المباني قد ترقى الى مستوى (العمارة) وهناك الكثير مما يعد (بناء) فقط  وليس عمارة فثمة فارق نوعي بين مجرد مواد وعلوم وتكنولجية انشاء لتكوين مبنى والعماره كتكوين حيوي يتأثر بالمحيط ويؤثر به تلك العلاقة العضوية بين الأنسان وبيئته المبنية التي تشكل مشاعرنا وأحلامنا وتصرفاتنا وحاجتنا الأساسية بعد الطعام  والمتأتية من الأدراك (المعرفي) لمحيطنا والتفاعل معة تلك هي خصوصيتنا.

هناك مقولة لشرشل ( نحن نشكل مبانينا وبعدها مبانينا هي التي تشكلنا) وعندها تكون هويتنا الجيدة أو السيئة وهذا بالطبع يعتمد على الكم والنوع الذي نشيده من بناء أو عمارة تعرض  لثقافة و معرفة وحضارة  تلك المنطقة  .لذلك فعندما نغير أي شيء من بيئتنا المبنية انما نغير الطريقة التي نرى بها نحن أنفسنا وبذلك نغير هوية المكان والفضاء (الحيز) وعلاقاتة بالأنسان وبكل ما هو مرتبط بة من علاقات اقتصاديه واجتماعية وسايكولجية وبالتالي الشعور بالعائدية للمكان وهذامايغير المجاميع الأجتماعية .أضحى لزامآ على المعماري أو صاحب القرار أن يفهم ذلك ويعد له من آلية واستبيان  أراء متأتية من المراكز الأجتماعية حيث يتم التفاعل الحقيقي بين المجاميع البشرية مع بعضها من جانب ومع المحيط من جانب أخر وعندها سنعرف كيف تنظر المجموعة لنفسها وما هي هويتها كما تراها هي وليس كما يراها الأخرين عنها فقط وهذا لايمكن أن يحدث من دون وجود بنية تحتية اجتماعية تؤمن اللقاء والتفاعل والتفاهم والتثقيف وهو ما يسمى بالأدراك المعرفي .

أن  واعز الأنتماء والهوية رغبة أنسانية  ليس محلية فحسب وأنما ردود فعل عالمية جائت ضد العولمة التي أنتجت مدن متشابهه مكرره نقيضة لما يبحث الأنسان غريزيآ من هوية للمكان. أنها ضروره موضوعية وليس ترف فكري مجرد.

العمارة أذن هي عملية إدراكية (معرفية) وجزء من نظام وسيط (وجزء أخر غير معروف لانهائي) يوفر ويدير موارد بدائية . وللكثير من المعماريين هذه الموارد تعني البنية التحتية التي تؤسس لنظام رموز فيزياوية حديثة والتي يمكن عنونة وحل القضايا التي تحيط بالاختيار والتعرف عن مدى أو محدودية هذه المصادر وإدارتها لذلك أي تحليل يعني المساعدة في تقرير المثالي والكافي والضروري والجميل الذي يعرض لتفهم المشكلة (المعمارية).

فالعمارة لها أوجه مختلفة تقود إلى خواص مختلفة. فمنها مثلا من يعرض معرفة موحدة وأخرى متنوعة وأخرى غير محددة أو واضحة جميعها نتيجة لقرارات تقود إلى دعم القابليات المعنية لأجل اختبار الميزات. وهذا يتبع فرضيات من منهجية محددة هي من  الأنتمائات البيئية (الموضوعية) المكان والمناخ  و من أعتبارات معرفية حضارية (ذاتية) تكنولجية دينية تاريخية سياسية تراثية قومية اجتماعبة وسيكولجية وهذاهو النظام الوسيط الذي يشكل العمارة.

أن جملة هذه الاختيارات هو سبب التنوع في العمارة وعنوان أبداعها وخصوصيتها وقد ترقى هذة الى مرحلة تتجاوز الأبداع وتدخل في مجال الأبتكار وعند ذاك يمكننا الأدعاء أن لنا هوية معمارية  مختلفة  ومتميزه وقد تاخذ شكل مدرسة معمارية وليس بالضرورة العمارة كمبنى  حيث يمكن أن تغنى العمارة بجميع صنوف وفعاليات المعرفة والحياة.

لابد اذن من تسلسآ واضحآ للمعالجات المعمارية فالأدراك المعرفي يقود الى الخصوصية المعمارية (الذاتية )والتجمع الكمي لهذة الموثرات المعرفية الخاصة حتمآ سيقود الى تفاعل في زمن ما قد يطول أو يقصر  الى أنتقالة نوعية تؤدي الى هوية (موضوعية) يدركها الجميع وتعاود الظهور والأستخدام  دون اللجوءالى الأجرائات القسرية كألزام المعماري بعناصر أنشائية معينة ورموزأيحائية سطحية اكثر مما هي تكوين ضمني وظيفي أيهامي غير مرأي . يفهم منها أنها هي الهوية وهي ولاء منا للتراث والعمارة.

هناك دون شك صعوبة عالية في تحقيق ما نصبوا اليه من رغبة  ايجاد مدرسة معمارية خاصة بنا وليس  للعمارة (كمبنى) فحسب,فالخصوصية المعمارية صيغة دينامكية ولا توجد هناك خصوصية لجميع الأزمنة  كماهي مرتبطة بالتيارات الفكرية المختلفة قد تتعارض مع اساس نهجها مثل الحداثة وتأخذ جزئيآ من بعضها مثل مابعد الحداثة أوكليآ مثل المحلية الجديدة والعمارة التحريضية والمأثور المعماري وهذه هي سمة الصراع الفكري في العمارة حيث توجد مدارس التصميم المتناقضة كنتاج للتنوع الدينامكي في الحدث المعماري كتجربة أنسانية وجزء لايتجزء من حياة المدينة اليومية لذلك كلما تقرب تخطيط وتصميم المدن من التصميم المعماري حيث تعالج المدينة كالعمارة يزول الفارق بينهما ويزيد من  سعينا الى الهوية المعمارية وهذا بالضبط النهج التي أختطته العمارة الأسلامية حيث لايوجد فارق بين العمارة والمدينة الكل يسعي الى تنوع ضمن الوحدة . ان مسار العمارة المعاصر يتجة نحو هيكلة فضائات وكتل المدينة كالمباني والعكس صحيح وهذا هو صلب تاريخنا وبالتالي هويتنا والمعادل الحضاري المعاصر لتراثنا الذي لابد أن يؤسس لهويتنا  وعندما سلب حقنا في ممارسة دورنا في تصميم مدينتنا كان قد سلبت هويتنا المدنية فقد أحيلت معضم تصاميم المدن الرئيسية الى مكاتب عربية واجنبية دون الرجوع الى سكان المدن وممثليهم النيابين والمثقفين .

يعد نمط الأنتاج  ( النمط المعاشي) والمستوى التكنولجي هو البنى التحتية للبناء الفوقي  الفكري والأجتماعي والسايكولجي وبالتالي الأدراك المعرفي الذي يعد الأدات الأساسية لتخطيط وتصميم المدن والعمارة .فلابد لنا أن نشخص أي نمط من الأنتاج السائد وتاريخ التكنولوجيا المواكبة له ولا نقفز حاجز المرحلية الموضوعية دون تمرسنا الذاتي الذي قد يؤدي أذا ما حرقت مراحله الى الدمار  والمثل العراقي الشائع (شاف قصر البيك حرق بيتة ) أن الهث والرؤيا الأسطورية للتكنولجية المتقدمة جدآ يجب أن يكون بحدود ما يسمى التكنولجية المناسبة  والمقصود هنا بالمناسبة  ربط التكنولجية بمرحلية تطور البلد وحاجاتة الملحة الأنية لذلك علينا أن نقر أولا أننا من البلدان النامية وأن ربع الشعب هم دون خط الفقر وان اي معماري لايؤمن بهذا سوف ينبذهه شعبه  ومدينته وبالتالي سوف لا يحقق أي شىء من الحياة الفاضلة التي ينشدها في تصاميمه الورقية ويصبح بما يسمى (معماري الورق ) ويوجد لدينا أكداس من هذا النوع من الورق والمشاريع التي لم ولن ترى النور لذلك يتوجب علينا  أن نفهم ان نمط العيش الذي توجب التصميم له وهو نمط التنمية المستدامة  وبذلك نبتعد عن الفقر دونما الابتعاد عن التكنولجية المناسبة التي تؤمن العمل والاعتماد على الذات ومن ثم تأمين خصوصية ونمط أنتاج يقود الى هوية معماري دون الأعتماد الكلي على الحرفية التقليدية من جانب أو الرؤيا الأسطورية للتكنولجية المتقدمة  انها التكنولجية المناسبة للتنمية المستدامة التي تنتج عمارة مستدامة حجر الزاوية لخصوصيتنا المؤديه لهويتنا التي يمكن أن  نتقدم بها كأنجاز للعمارة العالمية التي أصبحت جميعها تسعى ألى العمارة المستدامة .

لا يمكن لاي عمارة مستدامة أن لاتعتمد التراث والتاريخ والمحلية وهذا ما يقرب العمارة للمنتفعين منها ومستخدميها وتفاعلهم مع المعماري ولتأسيس المشهد المدني  المتكامل الذي يتطلب أيضآ ابداعآ ذاتيآ واستغلالآ ذكيآ للعلوم والتكنولجية المتاحة وفق الشروط الموضوعية (المكان والمناخ) والذاتية (الوظيفية والتكنولوجية  والأجتماعية والثقافية والقيم الجمالية)  وهذا يعني أننا يجب أن لانلزم المعمارين باسلوب أو مدرسة موحدة(وليس واحدة) تؤثر على التنوع وبالتالي سيكون نقيض الخصوصية التي  تعني بالدرجة الأساسية بحرية الأنسان ورؤيته الخاصة والتعبير عن وجوده  واحساسه أزاء انتمائه لعصره  ومحيطه . لذلك يجب ان نبتعد عن أي محاولة من الأوساط الرسمية أو الأكاديمية أو النٌقدية لفرض اسلوب(كما فعل هتلر والفاشيون)  ذات سمات محلية أوقيم جمالية ثابتة على العمارة مالم تكن تلقائية وطبيعية تنموا من المؤثرات الذاتية والموضوعية التي سبق ذكرها وهذة السمات غير مباشرة وسطحية وأنما خفية أيهامية حدثية تعرض نفسها دون الشرح (بهذا يعني وذاك يعني) فلا يوجد الترجمة على الشريط بالعمارة وانما تشعر بها حدثيا  وقدعرف المعماري لكوربوزية ( وهو أهم رائد في العمارة الحديثة) العمارة بوصفه المشهور وهو(أنك قد تستخدم الحجر والخشب والكونكريت لأجل بناء بيت أو قصر هذا منشأ ولكن العبقرية عند العمل هو فجئتا انك قد لامست قلبي وأخذت بلبي وقد قدمت لي فائدة وجعلتني فرح وعندها أقول هذا جميل هذه هي العمارة).ولكن مع الأسف الكثيرلديهم الفكر المسبق و يعتقدون ان لديهم الوصفة الجاهزة لذلك دون معرفة كينونة العمارةالحدثية  المعاصرة فهي ليست نصب  وانما كيان متداخل من انسان وفضاء.(حيز) يتكون عبر الزمن و ذات استخدام محدد غير نصبي ثابت . فكيف لنا  ان نعطي صفات ثابتة واذا حدث ذلك فلم يعد حينها هذا المنشأ يعود الى العمارة فهو في احسن الأحوال نصبآ لايمت للعمارة عن قريب أو بعيد وأن الحديث هو مجرد حشو كاذب لايعني شيء وقد سئمنا ذلك لكثرة تداوله واستخدامه امام المسؤولين لأسترضائهم وكما يصفهم علي الوردي بوعاظي السلاطين  .

أن العمل ازاء خصوصيتنا يتوجب أبعاد مفهوم العمارة كمنشأ وأعتماد التخصصات الدقيقة والأشخاص  الموهوبين دون تحيز) يعني مو كلمن صخم وجهة كال أني حداد)  وتسليم المعماري الموهوب والنزيه مهام وظيفتة الأساسية لانشاء عمارة وليس مبنى (ومو كل مدعبل جوز) وكذلك ادخالة في قرارات أختصاصه وابعاد الأمثلة السيئة التي تتماشى أحيانآ والثقافة والتمرين الذهني لصاحب القرار وعلى المعماري أيضآ أن لايكون من وعاظي السلاطين وان ينسحب حال شعوره بانة يقدم امثلة سيئة لعمارة المدينة وخصوصآ أنه يعرف اكثر من غيرة سوء هذ  العمارة وتدميرها لمدينته واعطائها الهوية السيئة وسوف يلعن التاريخ كل من يسىء للمدينة أذا كان معماريآ أوغير معماري من المسؤولين والقطاع الخاص وغيرهم من اصحاب القرار .

لقد اصبح من الضروري جدأ التصدي لموضوعة خصوصية عمارتنا وذلك للكم الهائل من العمارة التي لاتعتمد العمل الأستشاري الرصين والمتخصص والمعمارين وعاظي السلاطين مما يؤدي حتما الى هوية معمارية سيئة لذك يستوجب التنسيق وتظافر الجهود بين القسم المعماري في الجامعات والجهات الأستشاريه الحكومية والخاصة لتأكيد ضرورة العمل الأستشاري الجيد للموهوبين من المعمارين والذي يعرض أبداع وأبتكار أضافة الى الأرتباط الخلقي والأجتماعي والأقتصادي  وذلك بتميزة ومكافئته وعلى العكس ادانة اي ظاهرة ممكن أن تشوه عمارتنا وبالتالي مدننا.

لأجل دعم الجانب المعرفي في الخصوصية المعماريه يجب مشاركة جميع وسائل التعبير العقلانية من علوم وهندسة وعلوم اجتماع انثروبولجية وسايكولجية وغيرها  اضافة الى ذلك وسائل التعبير العاطفية من فنون تشكيلية وشعر وموسيقى ومسرح وغيرة وذلك لأن العمارة الجيدة هي تلك التي توازن بين العقلانية والعاطفية وتظهر كحقيقة تكوينة تتجاوز بها الزمن أو الحقبة التي فيها وتصبح هوية نفتخر بالأنتساب لها . فعلينا تامين مرافق تجمع العاملين لجميع صنوف هذة المعارف   والحرفين في مراكز ثقافية وحرفية يتم التفاعل والتكامل بينهما بل وحتى أن حدث هذا في ساحات المدينة وذلك  يعني أنشاء مراكز ثقافية تكون بمثابة الوعاء الذي تتفاعل بة  كل النشاطات والهمم لاجل أنجازات ثقافية  وحضارية مهمة  نتاج رؤيانا نحن لانفسنا من صنوف معارفنا وليس فقط رؤيا الغريب لهويتنا التي تعتمد بالأساس على التفاعل بين الذاكرة الجماعية المختلفة للمدينة  و الأدراك الذاتي للمعماري والقرار السياسي ( النية الصادقة ) لنشكل السعي المثمر لهويتنا المعمارية وهذا ليس جديد علينا  نحن أبناء حمورابي وأخوة زهاء حديد.

المصدر: 1

“البارجيل” عنصر بيئي يستقبل الهواء ويعمل على تبريده

البرجيل يستقبل الهواء ويعمل على تبريده

كتبت روعة يونس – هنا، في كافة إمارات الدولة، حيثما يسير المرء في أحيائها القديمة أو قراها التراثية، يلمح أبراجاً هوائية صغيرة ذات طابع قديم جداً، تسمى “البراجيل” ترتفع فوق بيوت سعف النخل، ومنها ما يتخذ شكل النماذج الهندسية الإسلامية، وتتميز بنقوش جميلة، بحيث باتت مظهراً مميزاً حتى في بعض مباني الدولة العصرية (الأبنية والفنادق ورسوم الأنفاق ومراكز الثقافية ومراكز التسوق ومرافق الشواطئ).

كان الأجداد قد ابتكروا قبل عشرات الأعوام مكيفاً يدوياً استخدموه في شهور الصيف، وأسموه ‘’البرجيل’’، وهو عبارة عن أربعة أعمدة ترتفع فوق البيت الحجري أو فوق بيت العريش لتمنحه بعض البرودة. صنعوه مما توفر لهم في البيئة المحلية من مواد خام كالحجر المرجاني والجص، أو الخشب وسعف النخيل والقماش والأكياس والأغطية، فقدم لهم حلاً لحر الصيف عبر نشره البرودة في أرجاء المنزل.

يشير حثبور الرميثي- استشاري البيئة البحرية في “نادي تراث الإمارات” إلى ظروف نشأة البراجيل في المنطقة، ويقول: “اخترع أجدادنا الحرفيون الشعبيون خاصة في المناطق الساحلية وسيلة التبريد والتهوية، فقد عاشوا حياة صعبة قاسية بسبب حرارة الطقس المرتفعة، ونجم عن هذه الظروف المناخية ابتكارات وصناعات تقيهم من حرارة الشمس، هي”البراجيل” التي شكّلت ما يمكن اعتباره مكيفا للجو يجلب بعض النسمات ويعمل على تبريد البيت، على الرغم من بدائية صنع البراجيل وبساطة موادها الخام”.

[sociallocker] شوكت علي © برجيل مصنوع من النخيل والقماش[/sociallocker]

يضيف: “كان البرجيل ينصب فوق بيت العريش المبني من سعف النخيل، وهو عبارة عن أربعة أعمدة أو مربعات، يساهم ارتفاعه في جلب الهواء، ويحاط من الداخل والخارج بقماش الأشرعة و(اليزايا والطربال) مع تشبيك سعف النخيل وإحاطته بالحصير والسجاد، وتثبيته بأوتاد من كل الأطراف ليتماسك ويصمد في وجه التيارات الهوائية، ويزود بسقف من السعف “الدعون” على شكل مظلة تقي من أشعة الشمس الحارة. وهناك برجيل آخر حجري أو من الجص له شكل البرج، وتشكل أسياخ الحديد دعامته، بينما القسم العلوي منه يجهز بشبكة حديدية، تستخدم بغرض دعمه ومنع دخول الطيور إلى داخل البرج’’.

حول عملية التبريد عبر ‘’البرجيل’’ وكيف تتم، يوضح الرميثي: ‘’يساعد تصميم البرج على التقاط نسائم الهواء ودخوله إلى الغرفة من خلال أحد جوانبه ويخرج بعد دورة كاملة في الغرفة من الجانب الآخر، إذ يشيّد البرجيل بفتحات علوية وجانبية تسمح بدخول الهواء إلى داخل البيت، وكلما ارتفع علوه تزداد برودة البيت لأن سرعة الرياح تكون أكثر في الأعلى. فيما ينحدر البرج الهوائي عمودياً إلى داخل الغرفة ومعظم الهواء القادم منه إلى الأسفل ينحصر انتشاره نوعاً ما في المنطقة الواقعة أسفل البرجيل، وهي عادة تكون ساحة أو مكان الراحة والسمر، كونها أكثر المناطق برودة في البيت’’.

وكان الدكتور ناصر العبودي قد أشار في بحثه “العمارة في دولة الإمارات العربية المتحدة” إلى أن المرجح عن انتشار البراجيل في المنطقة يعود إلى أكثر من 100 عام. كما جاء في ندوة “الحفاظ على التراث العمراني في دولة الإمارات” بأن التجار وأصحاب المحال التجارية وأصحاب السفن كانوا يعتمدون على براجيل الجص، وكان البرجيل يقام فوق البيت على ارتفاع حوالى مترين عن سطحه.

المصدر:1