الهوية أم الخصوصية المعمارية؟! المعمار موفق الطائي

موفق جواد الطائي  معمار وأكاديمي

كتب الطائي – نحاول في عرضنا هذا  معرفة ماهية خصوصية العمارة لاجل الوصول الى الهوية المعمارية.

من نافلة القول أن ليس كل بناء عمارة . وانما عدد من هذه  المباني قد ترقى الى مستوى (العمارة) وهناك الكثير مما يعد (بناء) فقط  وليس عمارة فثمة فارق نوعي بين مجرد مواد وعلوم وتكنولجية انشاء لتكوين مبنى والعماره كتكوين حيوي يتأثر بالمحيط ويؤثر به تلك العلاقة العضوية بين الأنسان وبيئته المبنية التي تشكل مشاعرنا وأحلامنا وتصرفاتنا وحاجتنا الأساسية بعد الطعام  والمتأتية من الأدراك (المعرفي) لمحيطنا والتفاعل معة تلك هي خصوصيتنا.

هناك مقولة لشرشل ( نحن نشكل مبانينا وبعدها مبانينا هي التي تشكلنا) وعندها تكون هويتنا الجيدة أو السيئة وهذا بالطبع يعتمد على الكم والنوع الذي نشيده من بناء أو عمارة تعرض  لثقافة و معرفة وحضارة  تلك المنطقة  .لذلك فعندما نغير أي شيء من بيئتنا المبنية انما نغير الطريقة التي نرى بها نحن أنفسنا وبذلك نغير هوية المكان والفضاء (الحيز) وعلاقاتة بالأنسان وبكل ما هو مرتبط بة من علاقات اقتصاديه واجتماعية وسايكولجية وبالتالي الشعور بالعائدية للمكان وهذامايغير المجاميع الأجتماعية .أضحى لزامآ على المعماري أو صاحب القرار أن يفهم ذلك ويعد له من آلية واستبيان  أراء متأتية من المراكز الأجتماعية حيث يتم التفاعل الحقيقي بين المجاميع البشرية مع بعضها من جانب ومع المحيط من جانب أخر وعندها سنعرف كيف تنظر المجموعة لنفسها وما هي هويتها كما تراها هي وليس كما يراها الأخرين عنها فقط وهذا لايمكن أن يحدث من دون وجود بنية تحتية اجتماعية تؤمن اللقاء والتفاعل والتفاهم والتثقيف وهو ما يسمى بالأدراك المعرفي .

أن  واعز الأنتماء والهوية رغبة أنسانية  ليس محلية فحسب وأنما ردود فعل عالمية جائت ضد العولمة التي أنتجت مدن متشابهه مكرره نقيضة لما يبحث الأنسان غريزيآ من هوية للمكان. أنها ضروره موضوعية وليس ترف فكري مجرد.

العمارة أذن هي عملية إدراكية (معرفية) وجزء من نظام وسيط (وجزء أخر غير معروف لانهائي) يوفر ويدير موارد بدائية . وللكثير من المعماريين هذه الموارد تعني البنية التحتية التي تؤسس لنظام رموز فيزياوية حديثة والتي يمكن عنونة وحل القضايا التي تحيط بالاختيار والتعرف عن مدى أو محدودية هذه المصادر وإدارتها لذلك أي تحليل يعني المساعدة في تقرير المثالي والكافي والضروري والجميل الذي يعرض لتفهم المشكلة (المعمارية).

فالعمارة لها أوجه مختلفة تقود إلى خواص مختلفة. فمنها مثلا من يعرض معرفة موحدة وأخرى متنوعة وأخرى غير محددة أو واضحة جميعها نتيجة لقرارات تقود إلى دعم القابليات المعنية لأجل اختبار الميزات. وهذا يتبع فرضيات من منهجية محددة هي من  الأنتمائات البيئية (الموضوعية) المكان والمناخ  و من أعتبارات معرفية حضارية (ذاتية) تكنولجية دينية تاريخية سياسية تراثية قومية اجتماعبة وسيكولجية وهذاهو النظام الوسيط الذي يشكل العمارة.

أن جملة هذه الاختيارات هو سبب التنوع في العمارة وعنوان أبداعها وخصوصيتها وقد ترقى هذة الى مرحلة تتجاوز الأبداع وتدخل في مجال الأبتكار وعند ذاك يمكننا الأدعاء أن لنا هوية معمارية  مختلفة  ومتميزه وقد تاخذ شكل مدرسة معمارية وليس بالضرورة العمارة كمبنى  حيث يمكن أن تغنى العمارة بجميع صنوف وفعاليات المعرفة والحياة.

لابد اذن من تسلسآ واضحآ للمعالجات المعمارية فالأدراك المعرفي يقود الى الخصوصية المعمارية (الذاتية )والتجمع الكمي لهذة الموثرات المعرفية الخاصة حتمآ سيقود الى تفاعل في زمن ما قد يطول أو يقصر  الى أنتقالة نوعية تؤدي الى هوية (موضوعية) يدركها الجميع وتعاود الظهور والأستخدام  دون اللجوءالى الأجرائات القسرية كألزام المعماري بعناصر أنشائية معينة ورموزأيحائية سطحية اكثر مما هي تكوين ضمني وظيفي أيهامي غير مرأي . يفهم منها أنها هي الهوية وهي ولاء منا للتراث والعمارة.

هناك دون شك صعوبة عالية في تحقيق ما نصبوا اليه من رغبة  ايجاد مدرسة معمارية خاصة بنا وليس  للعمارة (كمبنى) فحسب,فالخصوصية المعمارية صيغة دينامكية ولا توجد هناك خصوصية لجميع الأزمنة  كماهي مرتبطة بالتيارات الفكرية المختلفة قد تتعارض مع اساس نهجها مثل الحداثة وتأخذ جزئيآ من بعضها مثل مابعد الحداثة أوكليآ مثل المحلية الجديدة والعمارة التحريضية والمأثور المعماري وهذه هي سمة الصراع الفكري في العمارة حيث توجد مدارس التصميم المتناقضة كنتاج للتنوع الدينامكي في الحدث المعماري كتجربة أنسانية وجزء لايتجزء من حياة المدينة اليومية لذلك كلما تقرب تخطيط وتصميم المدن من التصميم المعماري حيث تعالج المدينة كالعمارة يزول الفارق بينهما ويزيد من  سعينا الى الهوية المعمارية وهذا بالضبط النهج التي أختطته العمارة الأسلامية حيث لايوجد فارق بين العمارة والمدينة الكل يسعي الى تنوع ضمن الوحدة . ان مسار العمارة المعاصر يتجة نحو هيكلة فضائات وكتل المدينة كالمباني والعكس صحيح وهذا هو صلب تاريخنا وبالتالي هويتنا والمعادل الحضاري المعاصر لتراثنا الذي لابد أن يؤسس لهويتنا  وعندما سلب حقنا في ممارسة دورنا في تصميم مدينتنا كان قد سلبت هويتنا المدنية فقد أحيلت معضم تصاميم المدن الرئيسية الى مكاتب عربية واجنبية دون الرجوع الى سكان المدن وممثليهم النيابين والمثقفين .

يعد نمط الأنتاج  ( النمط المعاشي) والمستوى التكنولجي هو البنى التحتية للبناء الفوقي  الفكري والأجتماعي والسايكولجي وبالتالي الأدراك المعرفي الذي يعد الأدات الأساسية لتخطيط وتصميم المدن والعمارة .فلابد لنا أن نشخص أي نمط من الأنتاج السائد وتاريخ التكنولوجيا المواكبة له ولا نقفز حاجز المرحلية الموضوعية دون تمرسنا الذاتي الذي قد يؤدي أذا ما حرقت مراحله الى الدمار  والمثل العراقي الشائع (شاف قصر البيك حرق بيتة ) أن الهث والرؤيا الأسطورية للتكنولجية المتقدمة جدآ يجب أن يكون بحدود ما يسمى التكنولجية المناسبة  والمقصود هنا بالمناسبة  ربط التكنولجية بمرحلية تطور البلد وحاجاتة الملحة الأنية لذلك علينا أن نقر أولا أننا من البلدان النامية وأن ربع الشعب هم دون خط الفقر وان اي معماري لايؤمن بهذا سوف ينبذهه شعبه  ومدينته وبالتالي سوف لا يحقق أي شىء من الحياة الفاضلة التي ينشدها في تصاميمه الورقية ويصبح بما يسمى (معماري الورق ) ويوجد لدينا أكداس من هذا النوع من الورق والمشاريع التي لم ولن ترى النور لذلك يتوجب علينا  أن نفهم ان نمط العيش الذي توجب التصميم له وهو نمط التنمية المستدامة  وبذلك نبتعد عن الفقر دونما الابتعاد عن التكنولجية المناسبة التي تؤمن العمل والاعتماد على الذات ومن ثم تأمين خصوصية ونمط أنتاج يقود الى هوية معماري دون الأعتماد الكلي على الحرفية التقليدية من جانب أو الرؤيا الأسطورية للتكنولجية المتقدمة  انها التكنولجية المناسبة للتنمية المستدامة التي تنتج عمارة مستدامة حجر الزاوية لخصوصيتنا المؤديه لهويتنا التي يمكن أن  نتقدم بها كأنجاز للعمارة العالمية التي أصبحت جميعها تسعى ألى العمارة المستدامة .

لا يمكن لاي عمارة مستدامة أن لاتعتمد التراث والتاريخ والمحلية وهذا ما يقرب العمارة للمنتفعين منها ومستخدميها وتفاعلهم مع المعماري ولتأسيس المشهد المدني  المتكامل الذي يتطلب أيضآ ابداعآ ذاتيآ واستغلالآ ذكيآ للعلوم والتكنولجية المتاحة وفق الشروط الموضوعية (المكان والمناخ) والذاتية (الوظيفية والتكنولوجية  والأجتماعية والثقافية والقيم الجمالية)  وهذا يعني أننا يجب أن لانلزم المعمارين باسلوب أو مدرسة موحدة(وليس واحدة) تؤثر على التنوع وبالتالي سيكون نقيض الخصوصية التي  تعني بالدرجة الأساسية بحرية الأنسان ورؤيته الخاصة والتعبير عن وجوده  واحساسه أزاء انتمائه لعصره  ومحيطه . لذلك يجب ان نبتعد عن أي محاولة من الأوساط الرسمية أو الأكاديمية أو النٌقدية لفرض اسلوب(كما فعل هتلر والفاشيون)  ذات سمات محلية أوقيم جمالية ثابتة على العمارة مالم تكن تلقائية وطبيعية تنموا من المؤثرات الذاتية والموضوعية التي سبق ذكرها وهذة السمات غير مباشرة وسطحية وأنما خفية أيهامية حدثية تعرض نفسها دون الشرح (بهذا يعني وذاك يعني) فلا يوجد الترجمة على الشريط بالعمارة وانما تشعر بها حدثيا  وقدعرف المعماري لكوربوزية ( وهو أهم رائد في العمارة الحديثة) العمارة بوصفه المشهور وهو(أنك قد تستخدم الحجر والخشب والكونكريت لأجل بناء بيت أو قصر هذا منشأ ولكن العبقرية عند العمل هو فجئتا انك قد لامست قلبي وأخذت بلبي وقد قدمت لي فائدة وجعلتني فرح وعندها أقول هذا جميل هذه هي العمارة).ولكن مع الأسف الكثيرلديهم الفكر المسبق و يعتقدون ان لديهم الوصفة الجاهزة لذلك دون معرفة كينونة العمارةالحدثية  المعاصرة فهي ليست نصب  وانما كيان متداخل من انسان وفضاء.(حيز) يتكون عبر الزمن و ذات استخدام محدد غير نصبي ثابت . فكيف لنا  ان نعطي صفات ثابتة واذا حدث ذلك فلم يعد حينها هذا المنشأ يعود الى العمارة فهو في احسن الأحوال نصبآ لايمت للعمارة عن قريب أو بعيد وأن الحديث هو مجرد حشو كاذب لايعني شيء وقد سئمنا ذلك لكثرة تداوله واستخدامه امام المسؤولين لأسترضائهم وكما يصفهم علي الوردي بوعاظي السلاطين  .

أن العمل ازاء خصوصيتنا يتوجب أبعاد مفهوم العمارة كمنشأ وأعتماد التخصصات الدقيقة والأشخاص  الموهوبين دون تحيز) يعني مو كلمن صخم وجهة كال أني حداد)  وتسليم المعماري الموهوب والنزيه مهام وظيفتة الأساسية لانشاء عمارة وليس مبنى (ومو كل مدعبل جوز) وكذلك ادخالة في قرارات أختصاصه وابعاد الأمثلة السيئة التي تتماشى أحيانآ والثقافة والتمرين الذهني لصاحب القرار وعلى المعماري أيضآ أن لايكون من وعاظي السلاطين وان ينسحب حال شعوره بانة يقدم امثلة سيئة لعمارة المدينة وخصوصآ أنه يعرف اكثر من غيرة سوء هذ  العمارة وتدميرها لمدينته واعطائها الهوية السيئة وسوف يلعن التاريخ كل من يسىء للمدينة أذا كان معماريآ أوغير معماري من المسؤولين والقطاع الخاص وغيرهم من اصحاب القرار .

لقد اصبح من الضروري جدأ التصدي لموضوعة خصوصية عمارتنا وذلك للكم الهائل من العمارة التي لاتعتمد العمل الأستشاري الرصين والمتخصص والمعمارين وعاظي السلاطين مما يؤدي حتما الى هوية معمارية سيئة لذك يستوجب التنسيق وتظافر الجهود بين القسم المعماري في الجامعات والجهات الأستشاريه الحكومية والخاصة لتأكيد ضرورة العمل الأستشاري الجيد للموهوبين من المعمارين والذي يعرض أبداع وأبتكار أضافة الى الأرتباط الخلقي والأجتماعي والأقتصادي  وذلك بتميزة ومكافئته وعلى العكس ادانة اي ظاهرة ممكن أن تشوه عمارتنا وبالتالي مدننا.

لأجل دعم الجانب المعرفي في الخصوصية المعماريه يجب مشاركة جميع وسائل التعبير العقلانية من علوم وهندسة وعلوم اجتماع انثروبولجية وسايكولجية وغيرها  اضافة الى ذلك وسائل التعبير العاطفية من فنون تشكيلية وشعر وموسيقى ومسرح وغيرة وذلك لأن العمارة الجيدة هي تلك التي توازن بين العقلانية والعاطفية وتظهر كحقيقة تكوينة تتجاوز بها الزمن أو الحقبة التي فيها وتصبح هوية نفتخر بالأنتساب لها . فعلينا تامين مرافق تجمع العاملين لجميع صنوف هذة المعارف   والحرفين في مراكز ثقافية وحرفية يتم التفاعل والتكامل بينهما بل وحتى أن حدث هذا في ساحات المدينة وذلك  يعني أنشاء مراكز ثقافية تكون بمثابة الوعاء الذي تتفاعل بة  كل النشاطات والهمم لاجل أنجازات ثقافية  وحضارية مهمة  نتاج رؤيانا نحن لانفسنا من صنوف معارفنا وليس فقط رؤيا الغريب لهويتنا التي تعتمد بالأساس على التفاعل بين الذاكرة الجماعية المختلفة للمدينة  و الأدراك الذاتي للمعماري والقرار السياسي ( النية الصادقة ) لنشكل السعي المثمر لهويتنا المعمارية وهذا ليس جديد علينا  نحن أبناء حمورابي وأخوة زهاء حديد.

المصدر: 1

اترك رد