المحطة العالمية، وشجون التلاقح المعماري!

كتب الدكتور علي ثويني:

يمكن أن تكون المحطة العالمية في منطقة العلاوي ، من أكثر معالم بغداد دلالة وحضور، فقد أبهرتنا أجيال بعد أجيال، ونتذكر أنها كانت حتى نهاية عقد الستينات تقبع في خلاء الأرض وطرف المدينة ،و يشاهد من تخومها أفق يمتد حتى كرادة مريم، وكانت قبتها ومنارتيها شاخصان سامقان يوحيان بدخول بغداد قبل توسعاتها.

كان يراد لموقعها الطرفي في بدايات القرن العشرين أن تكون بؤرة لنسيج حضري لاحق، لكن خطة دوكسياديس الإنفجارية في الخمسينات جعلتها وسطية. ويدخل المعلم ضمن سياق التسابق للمصالح العالمية للوصول لمكامن الثراء في الشرق وأريد له أن يربط أوربا بالهند،ضمن مشروع سكة حديد برلين- بغداد عام 1908 وفي خضم المنافسة بين الألمان و الإنكليز والفرنسيين .وتوقف المشروع أثناء الحربين العالميتين ،وتسنى له أن يصل البصرة تباعا، ومشروع إقامة تلك المحطة بدأ في ثلاثيات القرن المنصرم تماشيا مع خطة تطوير النقل القاري التي شهدها العالم.وأختير الموقع على أن يتكامل وظيفيا مع (مطار المثنى) المتاخم،الذي كان مطار بغداد المدني الوحيد ويقع خارجها حتى بواكير سبعينات القرن المنصرم. وقد أنفصلا تباعا بعد أن فتح الزعيم عبدالكريم قاسم الشارع الرابط بين العلاوي والكاظمية عام 1961، موازيا للطريق الوارث لخط الكاري المخترق لبساتين العطيفية والشالجية.

وبالرغم من الحداثة النسبية لمباني محطات القطار منذ بواكيرالقرن التاسع عشر، لكنها تصاعد دورها لتشكل تباعا من أكثر مباني المدن وجاهة ودلالة،حتى عرفت المدن بمحطاتها وتبارت فيما بينها ، فلا يمكن أن تذكر مدن مثل باريس ولندن وميلانو وفيينا إلا من خلال محطات قطاراتها. وأمسى ذلك المعلم بؤر مدينية و مكان وسطي تلتقي عنده الطرق، وأزدحم محيطها بالمرافق الحيوية التي تقرب للزائر أغراضه كي لايبعد باحثا. وأمست تلك الصروح وبرج الساعة عند مداخلها مكان التلاقي ومضرب المواعيد،وأمست الساعة البرجية إحدى دالاتها كما في المحطة العالمية.

بيد أن المحطة البغدادية مكثت معزولة ولم يتطور محيطها الحضري ، بالرغم من إختيارها على تخوم الكرخ الذي شكى من  شحة عمرانه وقلة ساكنيه مقارنة بالرصافة.و الأرض التي تمر عليها قضبان الحديد تخبأ في باطنها مدينة السلام العباسية المدورة التي بناها أبو جعفر عام 762م،وربما جاء أسم (الكرخ)من هيئتها المدوره (جرخ)،وهي مفردة أرامية .فهذا المكان هو أصل بغداد الأول قبل إنطلاق أرباضها اللاحق. و شكل الموقع  تخوم المدينة الإسلامية وأختص بجباناتها، وأحتفظ المكان بمقبرة الكرخ(الشيخ معروف) التي أعاقت المخطط حتى اليوم.

و أنجز مبنى المحطة بين أعوام (1947-1951)، والطراز العام للمبنى جاء مهاجنا بين طرز شتى غلبت عليها العناصر الإنكليزية للحقبة الفكتورية المتأخرة مع بوادر الحداثة التي أنطلقت بقوة بعد الحرب الثانية كخيار غالب حتى عند الإنكليز المحافظين. و نرصد نجاح معمارها ويلسون ج.م. Wilson G.M (1887-1965م) ، في إضفاء سمات محلية من خلال خامة الطابوق. وقد وظف قبة كروية مقطوعة(طاسة)،و منخفضة نسبيا  وغطى بها البهو الرئيس.وهذا العنصر الأزرق الفيروزي وهب المبنى سمة محلية ،بما تتواشج مع السماء والمقدس في رمزيتها ،وتعد إنشائيا من أمهات المنتج العراقي الدهري مثلما عنصري العقد والطاق.

لقد عمل المعمار ويلسون  في الإدارات الإنكليزية في الهند قبل مجيئه للعراق مثقلا بالتجربة والأحلام، بعيد مشاركته في تخطيط مدينة نيودلهي جنوب (دهلي) الإسلامية عام 1920. وقد عمل في بغداد ضمن حقبة الانتداب البريطاني(1915-1932م) ،وشارك مساعدا للسير آدوين ليتوين في نيودلهي ،فتأثر بمنهجه العمراني والمعماري المشرأب للتراث.وقد أستفاد من الطرق البنائية والخبرات المحلية(أسطوات الحرفة) ولاقح العمارة العراقية مع  الكلاسيكية الجديدة الإنكليزية التي تهاجنها خامة الطابوق ، وربما تأثر الإنكليز بالهنود الذي تتجذر فنون الطابوق عندهم منذ (موهانجو دارو 2100ق.م) السومرية في السند. وهنا نسجل اعتماد ويلسون على الأسطه حمودي العزاوي- الكظماوي صاحب المناقب البنائية. وقد ألتقينا أحد من مكث من بناتها وهو الأسطه عبود حمود الكناني، الذي يتذكر كيف نفذ (الجف قيم) على واجهاتها.

وكان ويلسون قد شغل  منصب أول مدير للأشغال العامة في العراق بعد تأسيس الدولة العراقية 1921، قبل أن يحل أحمد المختار ، وتجسد خطه بناية جامعة أهل البيت(1922-1925) بالأعظمية. وتتصف أعماله على العموم بالوظيفية والتناظر التام ومحورية لتكريسه مع صرحية مقصودة. وعادة ما كان يرفع في المحور شاخص صرحي كالقبة،ويسبق المداخل رواق باسق. وأكتنفت أعماله تفاصيل و ريازة  الآجر في الاطناف والمقرنصات. ونجده على الورق في مخطط قصر الملك فيصل الأول (1927) الذي أهمل فيما بعد.

وقد أقترن أسم  ويلسون بزميله مايسون هـ .س  Maison H.S (1892-1960)،حيث نفذا عدة مشاريع مشتركة بقى بعضها قائما مثل: المستشفى التذكاري للجنرال مود في البصرة 1921، والبلاط الملكي في بغداد 1923 والذي لم يبق منه أثر اليوم ،وكنيسة سان جورج 1926، ومقر قيادة القوة البحرية في البصرة 1929 ومطار البصرة 1931 ، وبناية البريد والبرق 1929، وكذلك مطار بغداد (المثنى) 1931 ، والقصر الملكي في الحارثية 1933.  وأختلف مايسون عن زميله  ويلسون معمار المحطة العالمية بعدم إكتراثه بالعمارة التراثية وغضاضة في التوجيه البيئي. و كرس على خلاف ويلسوم  النمط الإنكليزي المحض في البناء المتضام و معالجة الواجهات بالأعمدة والسقوف الجمالية المنحدرة.

ولم تشذ المحطة العالمية عن تخطيطات ويلسون المتناظرة،فمدخله خيلائي تتصاعد به الأساطين(الدلكات) الثمانية لأربعة طوابق، بما ندعوه اليوم(دبل فوليوم)،ويقبع خلفها بهو واسع  وأجنحة على جهتيها موزعة على ثلاثة طوابق. وقد رام ويلسوم أن ينبر المدخل مستوحيا البوابة(الدروازه)  من الأعراف المحلية ، وذلك من خلال رفع حجمه عن حجم البناء العام، وإرساء برجين تقليديين على جانبية يتدرجان في الحجم حتى نهايات أخدودية أصغر حجما، وإضفاء شرفتين شكليتين على جانبيه. وهذا العنصر  قادم من الكلاسيكية الجديدة الإنكليزية الذي ظهر في أواخر القرن التاسع عشر وأمتد حتى الحرب الثانية وأقنص بعض عناصر الطراز القوطي Gothicالمتأخر،ووظف بحسب طبيعة المعلم  ،فسيان بين المداخن كما في محطة توليد الكهرباء على التايمز التي أمست اليوم متحف الفن الحديث (Tate museum)، أو أن تكون برج ساعة في مباني البلديات والإدارات والمحطات أو صومعة النواقيس أو وبرج الكنيسة، وجميعها هيئات شاقولية تشق رتابة خط سماء المدينة الإنكليزية.

وعلى العموم فإن إستلهام الطراز البنائي المحلي في الحداثة دعاه الفرنسيون  (الارابزانس Arabisance). وكنيّ الحداثة أو الحداثة الكلاسيكية،أو (العقلانية المحلية )، بما وسم بالربط العضوي الوظيفي لاجزاء  البناء مع محيطه الحضري. وقد شاع ذلك الطراز كحركة تجديد و إحياء من داخل العمائر المحلية. واستعمل الأشكال الموروثة في المعالجة المعمارية ،وأهتم بالجانب النسبي والحجمي واللوني واضفيت كاسرات الضل، وتراكب الحجوم لتنبير لعبة الظل والنور. واستخدمت مواد البناء الحديثة التي تتوائم مع الأشكال المعمارية المنظورة وكذلك التأكيد على الكفاءة البيئية لتلك المواد لتكون صنواً لمواد العمارة المحلية.  وقد استحداث الهياكل الحديدية في التسقيف(الشيلمان) ذات المقطع حرف (I) ، بدلاعن الخشب. وذلك منذ قبيل الحرب الأولى، من طرف الألمان ضمن مشروع السكة.

ويمكن أن يكون مبنى محطة بغداد علامة لطراز لم يستمر تداوله لا في بلد المنشأ ولا الفرع العراقي. حيث أن ثمة صراع نشأ بين الحداثة الإختزالية والكلاسيكية الجديدة التزويقية، وتصاعد الصراع في عقدي العشرينات والثلاثينات ، وأستمر حتى نهاية الحرب الثانية ،حينما غلبت كفة  الحداثة وشاع الطراز العالمي في العراق،  تقليدا لما حصل في أوربا التي خربت مدنها الحرب و أملت عليها إعادة هيكلة المدن أن تسلك طريق التسريع بالإنجاز الذي توفره الحداثة. لكن الحداثة لدينا تمادت وأمست  منفلته.فقد شطح جل من شارك خلال جيلين مؤسسين وأكثر من المعماريين مثل أحمد مختار(1907-1960)، ومدحت علي مظلوم (1913-1973) وجعفر علاوي (م:1915)  و محمد صالح مكية (م:1914) ثم الثاني الذي يمثله  الجادرجي(1926) و هشام منير (م:1930) و عبدلله إحسان كامل (م: 1919) وقحطان عوني (1926-1972) وقحطان المدفعي (م:1927)، ثم تلتها أجيال لاحقة أشاعت تداول خامة الخرسانة على حساب الطابوق الطيني، وأختارت التخطيط المتضام المغلق، الذي يتضارب مع وخمة العراق وحاجة الفضاءات الى ترويح.واليوم  ندفع ثمن حداثتنا التي لم تتوائم مع ظروفنا البيئية،بل كانت تخص لندن وليفربول،و التي لن تطأ درجات  الحرارة بها 40 درجة والمطر بها دائم، فشتان بينها وبين بغداد.لقد كانت حداثتنا في الفكر والعمارة صنو لحداثة الغرب ، وما معاناة الناس اليوم مع إنقطاع الكهرباء لهو نتاج لها،فبيوت مكتومة لانسمة تنعشها ولا حوش وشذروان ينديها، ولا بادكير يهويها إلا طامة حكمت تلك الشطحة المعمارية.

المصدر: 1

اترك رد