الاستشراق في فن القرن التاسع عشر

ترجمة : د. عدنان عويّد
عنوان المقال الأصلي:  Orientalism in Nineteenth-Century Art – المصدر في نهاية المقال

يضم الشرق هذه الأيام ( من وجهة نظر غربية) كلاً من تركيا واليونان والشرق الأوسط وأفريقيا. هذا وقد مارس الشرق إغراءه وتأثيره على الفنانين الغربيين لقرون قضت, ولكن أهم هذه القرون في التأثير هو القرن التاسع عشر. فملابس أوسطيين الشرق نجدها قد تجلت واضحة في أعمال فناني كل من عصر النهضة الأوربي, والعصر “الباروكي” منذ القرن السابع, مثل أعمال الفنان ” يليني” و” وفيرنز” و” رامبرانت”, وبخاصة الفن المتعلق بالمشهد النسوي الحرملكي, والزخرفة, التي تأثر بها الفن الفرنسي في القرن الثامن عشر, المعروف بـ (FRECH ROCOCO AESTHOTIC)

على أية حال, قبل القرن التاسع عشر كان ارتباط الأوربيين أو علاقاتهم بالشرق قليلة, وعادة ما كانت هذه العلاقة تجري تحت مظلة التجارة, والحملات العسكرية المتقطعة, إلى أن قامت الحملة الفرنسية عام/1798/, بقيادة نابليون بونابرت, لغزو مصر واحتلالها حتى عام /1801/, الأمر الذي جعل من الحضور الأوربي في مصر والشرق عموماً يشكل فيما بعد, عامل جذب للرحالة الغربيين.

إن العديد ممن أغراهم الشرق وانجذبوا إليه, تجلى هذا الانجذاب والإغراء في انطباعاتهم التي تجسدت أعمالاً فنية (لوحات رسم), أو ما تركوه من مطبوعات.

ففي عام /1809/ طبعت الحكومة الفرنسية أول مجلد من المجلدات الأربعة والعشرين التي تضمنت وصف مصر من الناحية الطبوغرافية,  وفن العمارة, والآثار, والحياة الطبيعية, ونمط حياة السكان… الخ .

إن مجلدات وصف مصر إياها, كان لها التأثير الكبير على العديد من الأعمال التي هدفت إلى توثيق ثقافة المنطقة, مثلما كان لها عميق الأثر أيضاً عن فن العمارة والزخرفة في فرنسا, هذا إضافة إلى بروز سطوة الأفكار المصرية على الطراز الإمبراطوري الفرنسي ذاته .

مع بداية القرن التاسع عشر أراد بعض الفنانين (الرسامين) ومن باب الدعاية لدعم الإمبراطورية الفرنسية في احتلالها لبعض مناطق الشرق, تصوير الشرق كمنطقة برابرة, تزخر بالتخلف, فهدف الفرنسيون من سيطرتهم عليها العمل على تنويرها وتطويرها, كما فعل الرسام ” جرين كروز” / 1771- 1835/, تلميذ الرسام ومؤرخ المرحلة النابليونية “جيكوز لويس دافيد”, وهو – أي كروز- الذي لم يسافر بحياته إلى الشرق الأوسط, ومع ذلك كانت أعماله في متحف اللوفر الباريسي, ُتظهر بشكل فاقع وضع العمارة الشرقية وشخصيات الشرق في هيئات مزرية.

إن الأعمال الدعائية هذه, تجلت أيضاً في أعمال “فيوجن ديلاك روكس” مؤسس الحركة الرومانتيكية, حيث تبنى وركز بشكل غير منطقي في أعماله على المواضيع التي تناولت مسائل العنف والقسوة في حياة الشرق. يضاف إلى هؤلاء الكثير أيضاً من الأدباء والفنانين الذين جسدوا مثل هذه الأعمال المسيئة للشرق وبشكل متخيل, في كتابات وأعمال أخذت طابعاً رومنتيكياً, جياشاً بالعواطف الإنسانية, وهي تصور مثلاً حروباً وأعمال تدميرية حدثت في الشرق على غاية من القسوة وبدوافع عاطفية غير إنسانية. ولكن في المقابل نجد بعض الفنانين ممن اشتغل في أعماله وشكل انطباعاته عن الشرق, إلى المطبوعات الموثقة, كما هو الحال بالنسبة للمطبوعات التي تم فيها توصيف مصر بعد حملة نابليون بونابرت كما أشرنا سابقاً, أو إلى أدب الرحلات, أو أن قام المهتم بإجراء زيارات خاصة إلى الشرق بنفسه.

إن صيغة الفن الشائع لدى الفنانين الغربيين الذين اهتموا بالشرق, كثيراً ما تُبرز التجربة المباشرة للحياة اليومية في المدن والمستعمرات, وغالباً ما تُصورهذه التجارب المباشرة على شكل نشاطات يومية روتينية لحياة مواطني الشرق يمارسونها في أوقات فراغهم. كما تجلى ذلك واضحاً في لوحة الفنان ” شارلز بارج” ,/ 1825- 1883 / وغيره من الفنانين الغربيين المجايلين له, أو حتى من بعض الفنانين المعاصرين الذين قدموا بدورهم أعمالاً عن الشرق  صورت وبشكل هادئ, الحياة المنزلية اليومية, والأمومة, والحياة العسكرية, وتقوى المؤمنين كما شاهدوها في الجوامع.

لقد استطاع الشرق أيضاً وبشكل عرضي, فرض نفسه كخلفية إيحائية لأعمال رجال الدين الغربيين في كتاباتهم عن المسيحية, وهذه المقاربة الدينية مع الشرق, استؤنفت أيضاً وبشكل خاص مع الفنانين الانكليز, من حيث استخدامهم التفاصيل الفنية والذوقية في الأسلوب الشرقي في  أعمالهم, مع حفاظهم على ضرورات البروتستانتية بشكل واضح, وبخاصة الولاء لجوهر الفن المسيحي عند تشكيل أو رسم الأيقونات.

أما بالنسبة لمسألة “الحرملك” الشرقي في الفن الغربي, فهناك قلة من الفنانين الغربيين الذي صورا مشاهده بالرغم من أنهم لم يدخلوا سراي الحريم الأصلي, وإنما اعتمدوا في الغالب على الإشاعات والتخيلات التي مصدرها السكان المحليين, وهؤلاء السكان بشكل عام كثيراً ما يبالغون في وصفهم للظواهر أو المشاهد التي تعرض عليهم, أو يسمعون بها من غيرهم, لذلك كثيراً ما استمد الفنانون الغربيون مشاهد الحرملك, وبخاصة سلوكيات النساء والعبيد من النساء, وجاريات الملك, وهن مستلقيات  عاريات, أو بالثياب الشرقية, من السكان العاديين الذين لم يتسن لهم دخول الحرملك والإطلاع على أسراره. وهذا ما فعله الفنان ” اوغست دومينيك أنغري” الذي لم يسافر أبداً إلى الشرق, غير أنه استخدم مشاهد الحرملك, من خلال استحضاره إحساس الثقافة والجمال الشرقيين, مشبعاً برغبة انعزالية يطمح إليها العديد من الفنانين الغربيين .

عموماً إن نكهة الاستشراق, ُتعزز وُتظهر نفسها في أفكار وأسلوب العمارة, والأثاث, وفن الديكور, والنسيج, التي كانت محط رغبة متزايدة فيما بعد لدى نخبة من الأوربيين .

إن مؤسسي الحركات الجمالية في بريطانيا العظمى, /1860- 1880/, أيدوا ودعموا بالإجماع مثل هذه البصمات الجمالية الشرقية, لقناعتهم بها, وقد قيموا هذه البصمات ذاتها فنياً برضى فائق, وشكلت عندهم محط إلهام. ووجدوا أن هذا الذوق أو النكهة الشرقية تجسدت من الناحية العملية في القصور العربية. الأمر الذي دفع بعض الفنانين أو المهتمين الأوربيين بهذا الفن الشرقي, كما هو الحال لدى الفنان ” فريدريك ليفن” ما بين /1877- 1879/, أن زين منزله في لندن وبشكل متألق جداً بالموزاييك الشرقي (الأربيسك ) الرصين, الذي جمعه من خلال رحلاته إلى الشرق, ووظفه في مكان واحد هو منزله, تقليداً للحالة الجمالية التي جسدها الأثاث الشرقي ذاته في القصر العربي .

إن سطوة الخيال الشرقي, استمرت تضيف للعديد من الفنانين الغربيين في القرن العشرين, أمثال : ( أوغست رينوار – هنري ماتيز – بول كلي – اسكلي كان ديسكي – أوغست ماكا – وأسكار كيكوستشكا),  مواضيع جديدة عن الشرق.

المصدر: 1، 2

اترك رد