الهوية المعمارية بين الوجود والضياع

كتب المعمار جهاد الخندق:

لكل منا بطاقة تعريفية خاصة به تَدُل عليه وتشير الى أبعادِه الوجودية , بطاقة تعريفية رسمية يحفظها في جيبه وبطاقة تعريفية موجودة في جيناته فاختلاف الشعوب واختلاف أشكالها ومميزاتها وملامحها وعاداتها وتقاليدها هو أمر موجود لا محالة , والقدرة على رؤية هذا الاختلاف بين الأفراد والجماعات موجودة عند كل انسان عاقل , فمثلا قد لا تذهب طيلة حياتك الى دُول شرق اسيا الا أنك عندما ترى أحد أفراد هذه الدُول في بلدِك تستطيع أن تجزم أنه ينتمي الى تلك الدول وسيدُلك على هذا عدة أشياء منها ملامح الوجه وطبيعة اللباس وطبيعة الكلام , وكذلك الحال أيضا بالنسبة للدول الاسكندِنافية ودول الخليج العربي , فلكل منا هوية أو ” ذات ” وبطاقة تعريفية  تُساعد أي طرف على التعرف عليه حتى في حال عدم وجود أي صلة أو علاقة رابطة بين الطرفين , هو الاختلاف الموجود بين العالمين وأحد النعم التي أنعمها الله على البشرية أجمع .

9

ولأن الفن المعماري هو أساس الشعوب وهو القلب النابض لجسدها والبطاقة التعريفية الاولى لما خلفها , اختلفت الهوية المعمارية الناتجة أساساً من اختلاف الذات البشرية عبر الزمن من رقعة جغرافية لأخرى ومن حضارة لأخرى ومن تجمع لاخر فبعض الحضارات التي لازالت اثارها قائمة ليومنا هذا تستطيع التعرف عليهم من خلال فن البناء الذي مارسوه قبل الاف السنين , بالتأكيد قد يوجد أشياء مشتركة في اللغة المعمارية لكثير من الحضارات الا أن أغلب الأمم التي تعاقبت ولا زالت تتعاقب على هذا الكوكب تتميز بشيء مُعين في عمارتها وتاريخ بنائها ,هذه التميز مُستمد أساساً من داخل الأمة وكيانها الوجودي , ان هذه المميزات المعمارية لحضارة معينة هي المحددات الرئيسية والركيزة الأساسية لما يسمى ب ” هويتها المعمارية ” والهوية المعمارية هي أحد الركائز الأساسية الحافظة والموثقة لتاريخ الشعوب وتاريخ وجودها واهتمام الأفراد والحضارات بابراز هويتهم الخاصة في عمارتهم قائم على هذا الأساس .

2
ان الهوية المعمارية هي البطاقة التعريفية الأولى للأمة , واذا ما أرادت أي أمة أن تحافظ على نفسها وجوديا وتحافظ على كل علاقات اللغة والثقافة والعقائد التي تربطها يجب عليها ان تعمل وفق هوية معمارية مستمدة من داخلها , أي أن هوية العمارة تمثل هوية أمة , ولو نظرنا في سالف الازمان وتاريخ الامم سنجد أن لكل أمة هوية تعريفية وهوية معمارية خاصة بها ساعد على حصول هذا الشيء عدة أسباب أهمها عدم سهولة الاتصال بين الأمم الأخرى وصعوبة الانفتاح على العالم كما هو موجود حاليا , فالكثير من أمم السابق كانت لا تلتقي الا في حالات الحروب ,اعتزاز كُل أمة بأن يكون لها منهج خاص في كُل نواحي حياتها ولعل أبرزها فن البناء , أما اليوم مع وجود كل سبل الاتصال السريع والمُيسر أصبحَ الاتصال بين سائر الأمم بضغطة زر وأصبح اختلاط الثقافات والأفكار بين العالمين أجمع أمر بغاية السهولة وهو الأمر الذي سهل ومهد الطريق الى انهيار الهوية المعمارية من خلال انخراط الأمم ببعضها , قد يعتبر البعض أن لفظ ” انهيار ” الهوية المعمارية هو لفظ مبالغ فيه بعض الشيء , الا أنه لا يختلف اثنان من أصحاب الشأن على أن الهوية المعمارية تتلاشى شيئا فشيء وأخشى ما أخشاه أن ننهض من فراشنا يوماً لنجد أن كل العالم أصبح بشكل واحد فتكاد لا تميز أبنية باريس من أبنية دول المغرِب العربي .!

1
قد يتسائل البعض عن أهمية وجود الهوية المميزة لكل أمة على حدة , وقد ينظر صنف اخر من منظور اخر الى حسنات الاندماج العالمي معمارياً ونسيان مساوئ هذا الاندماج الذي يُخفي أحد أهم الركائز الموجودة داخل كل معماري مثل الابداع والانتماء للأرض واستخدام الموجود وما شابه ذلك , ان التشابه المعماري يعمل على الغاء الكثير من المفاهيم المميزة لكل معماري على حِدة ويشجع على عمل نسخ بنائية دون اي تفكير ودون النظر في العوامل الجانبية الأخرى وأثرها على كل أمة ثقافياً واجتماعياً وأخلاقياً , ان الباحث في الحقب المعمارية التاريخية والحقب القديمة سيجد الكثير من التشابه فيما بينها لكنهُ سيجد الكثير من المميزات لكل حقبة عن الأخرى وهذا يوطد أهمية كل امة وكل حقبة عن الأخرى , في الماضي كان رؤية مبنى والتعرف على الهوية المعمارية الخاصة به أمر في غاية السهولة الا أنه في أيامنا هذه وخصوصا في الدُول التابعة للغير للأسف تكاد لا تميز مدرسة معمارية ولا هوية معمارية ولا تاريخ ولا أي شيء من هذه القبيل في المباني الموجودة والقائمة ..!

7

الان دعوني أخص بالذكر هويتنا المعمارية العربية بكافة نواحيها ومجالاتها , فهي تتعرض لهجمة منذ مدة من كافة الثقافات والهويات العالمية ولعل أبرزها الهوية والثقافة الأمريكية , قد أصبح المعماري العربي ينسى جذوره في حالاته التصميمة ويواكب كُل ما هو حديث وكُل ما هو دارج من ثقافات عالمية غذَت عقول شعوبنا العربية فالاِنفتاح على الثقافات العالمية من قبل الزبون العربي ورؤيته لما هو دارج في عالم الغرب جعلته يُطالب أن يكون تصميمه الخاص به بعيدا كُل البُعد عن جذوره العربية وهويته القومية , ان المعماري العربي لا يستطيع أن يقاوم عكس التيار فالمسؤولية الكبيرة للحفاظ على الهوية المعمارية العربية تقع أساساً على عاتق أفراد المجتمع ومسؤوليه الذين يضعون المعماري في حيرة من أمره خلال العملية التصميمية , فالمعماري لِوحده لا يمكنه أن يقاوم العولمة التي تدعو الى هدم كل الحواجز بين الأمم ليصبح العالم كُله كَقَرية صغيرة مُتشابهة أركانها .

4
هناك عدة عوامل تساعد على اختفاء الهوية المعمارية العربية لعل أبرزها عدم وعي افراد المُجتمع بأهمية وجود هوية حافظة لتاريخهم  , كما أن بعض القوانين التي تَسُنها البلديات المسؤولة عن حركة البناء تُعكر صفو الاحتفاظ بالهوية المعمارية التقليدية , الانفتاح الكبير للزبون العربي على ثقافات العالم واعجابه الكبير بالفكر الغربي عن طريق وسائل الاعلام , الكُلفة المادية الزائدة أحياناً والمطلوبة لانجاز عمل معماري مُعين , العولمة ومبادئها التي أصبحت من المفاهيم الأساسية في عصرنا الحالي والتي دخلت كُل منازلنا العربية واستوطَنت في عقولنا , في ظل كل هذه الأسباب وأكثر ان هويتنا المعمارية العربية تختفي شيئاً فشيء ولا بُد من موقف جاد من قِبل الجهات الرسمية في قوانينها ومواثيق بلدياتها وبالتعاون مع معماريي الفِكر السليم يجب أن نُؤكد على أهمية الحفاظ على هويتنا العربية التي تُعد من أرقى وأجمل الهويات المعمارية على الاطلاق ,لا يجب أن يبقى الفرد العربي منصاغاً لثقافات الغرب فالعمارة هي واجهة الأمة فلا تُتعب نفسك بالاختفاء خلف أفكار غيرك ما دُمت تملك ارث وهوية معمارية تشهد لها الازمان .
5
أتمنى أن أكون دائما عند حُسن ظنكم , اذا كان لديك أي اقتراح أو أي تعديل اترُكهُ بالتعليقات , وشُكراً .

اترك رد